عمر فروخ
178
تاريخ الأدب العربي
أيام عبد الرحمن الناصر في الأندلس أن نشير إلى « الزهراء » ، وهي المقرّ الرسميّ الجديد الذي بناه عبد الرحمن الناصر إلى الشمال الغربي من العاصمة قرطبة على جبل العروس ( ويقال له اليوم بالإسبانية : سيارا مورانا - بالألف الأولى والألف الثالثة ممالتين ) مطلّة على نهر الوادي الكبير . وإذا نحن قلنا : « الزهراء » فيحسن أن نفهمها على ثلاثة أوجه : الجامع والقصر والمدينة . أمّا الجامع فقد عمل في بنائه من حذّاق الفعلة كلّ يوم ألف نسمة منهم ثلاثمائة بنّاء ومائتا نجّار وخمسمائة من الأجراء وسائر ( أرباب ) الصنائع . فاستتمّ بناؤه وإتقانه في مدّة ثمانية وأربعين يوما . . . وطول المسجد أجمع من القبلة إلى الجوف « 1 » - سوى المحراب - سبعة وتسعون ذراعا ، وعرضه من الشرق إلى الغرب تسعة وخمسون ذراعا . وطول صومعته ( مئذنته ) في الهواء أربعون ذراعا وعرضها عشرة أذرع في مثلها ( نفح الطيب 1 : 564 ) . وكان الفراغ من بنائه في الثاني والعشرين من شعبان من سنة 329 . وأمّا القصر فقد « أطبق الناس على أنّه لم يبن مثله في الإسلام البتّة . وما دخل إليه قطّ أحد من سائر البلاد النائية والنحل المختلفة من ملك وارد ورسول وافد وتاجر جهبذ - وفي هذه الطبقات من الناس تكون المعرفة والفطنة - إلّا قطع أنّه لم ير له شبها ، بل لم يسمع به ، بل لم يتوهّم مثله . . . ولو لم يكن فيه إلّا السطح « 2 » الممرّد « 3 » المشرف على الروضة المباهي بمجلس الذهب والقبّة وعجيب ما تضمّنه من إتقان الصنعة وفخامة الهمّة وحسن المستشرف « 4 » وبراعة الملبس والحلّة - ما بين مرمر
--> ( 1 ) القبلة ( بكسر القاف ) هي السمت الذي يتّجه فيه المصلّي المسلم نحو مكّة . والقبلة في الأندلس هي نحو الشرق الجنوبي . أمّا الجوف فهو الوسط من الأندلس . ( 2 ) يقصد : « السقف » . ( 3 ) الممرّد : الذي فيه طول ( واتّساع ) مع ملاسة . ( 4 ) فخامة الهمّة ( ؟ ) : علوّ همّة بانيه . المستشرف : المنظر من مكان عال .