عمر فروخ
134
تاريخ الأدب العربي
أو دع الشّعر ، فهو خير من الغث * ث ، إذا لم تجد مقالا ثمينا ! - وكتب إلى جاريته - واسمها عاج - من سجنه أبياتا هي ( وفيها شيء من نفس النابغة ونفس أبي فراس ) : وإنّي عداني أن أزورك مطبق * وباب منيع بالحديد مضبّب « 1 » . فإن تعجبي ، يا عاج ، ممّا أصابني ؛ * ففي ريب هذا الدهر ما يتعجّب « 2 » . وفي النفس أشياء أبيت بغمّها * كأنّي على جمر الغضى أتقلّب « 3 » . تركت رشاد الأمر إذ كنت قادرا * عليه فلاقيت الذي كنت أرهب . وكم قائل قال : انج ، ويحك ، سالما ؛ * ففي الأرض عنهم مستراد ومذهب « 4 » . فقلت له : إنّ الفرار مذلّة ، * ونفسي على الأسواء أحلى وأطيب . سأرضى بحكم اللّه فيما ينوبني ، * وما من قضاء اللّه للمرء مهرب . فمن يك مسرورا بحالي ، فإنّه * سينهل في كأسي وشيكا ويشرب « 5 » ! - وقال هاشم بن عبد العزيز ( المقتبس 134 ) : كان الأمير محمّد ( راجع ، فوق ، ص 58 ) أبصر الناس بالرأي وأنفذهم لوجهه ، فكان يجمعنا للمشورة على رسم من قبله ، فنجتهد ويقول كلّ واحد منّا ما يحضره . فإن وافق ما قد انتقاه هو أمضاه عن تحصيل . وإن كان في الرأي خلل ناظرنا على خطئه وقلّب لنا وجوهه وعدلنا عنه بحجاج وتبيان لا نكاد ندفعه فتصغي أفهامنا إليه ونختاره .
--> ( 1 ) عداه : فاته . مطبق : ( بضمّ الميم وكسر الباء ) : السجن تحت الأرض . مضبّب : مقفل بحديدة تدخل من الباب في الجدار . ( 2 ) ما يتعجّب ( الإنسان ) منه : أمور عجيبة غريبة . ( 3 ) الغضى شجرة يصنع منه فحم ذو نار شديدة الحرارة ( وجمعها : غضى ) . ( 4 ) مستراد : مكان بعيد ينزله الإنسان للنجاة من أعدائه . المذهب : مكان يذهب إليه الإنسان . ( 5 ) سينهل ( يشرب ) من كأسي : سيصيبه مثل الذي أصابني .