عمر فروخ
901
تاريخ الأدب العربي
. . . . هذا تأليف لطيف في تراجم أعيان العصر على طريقة أهل العلم الراسخين لا ( طريقة ) عموم المؤرّخين : قصرته على أعيان الأعيان وأفراد « 1 » الزمان ، ولم أدع اليه الجفلى « 2 » ولا حشدت فيه ، بل انتقيت أماثل النبلاء ولم أورد فيه إلّا محاسن ولا وردت فيه الّا زلال ماء غير آسن « * » . وسمّيته « نظم العقبان في أعيان الأعيان » . واللّه المستعان وعليه التكلان . . . . . وقد اختار اللّه سبحانه أن نكون آخر الأمم وأطلعنا على أنباء من تقدّم لنتّعظ بما جرى على القرون الخالية وتعيها أذن واعية ، فهل ترى لهم من باقية « 3 » ! ولنقتدي بمن تقدّمنا من الأنبياء والأئمّة والصلحاء . هذا وإنّ الجاهل بعلم التاريخ راكب عمياء خابط خبط عشواء ، ينسب إلى من تقدّم أخبار من تأخّر ، ويعكس ذلك ولا يتدبّر ، وإن ردّ عليه وهمه لا يتأثّر ، وإن ذكّر لجهله « 4 » لا يتذكّر : لا يفرّق بين صحابيّ وتابعيّ ، وحنفيّ ومالكيّ وشافعيّ ، ولا بين خليفة وأمير ، وسلطان ووزير . . . . . وربّما أفاد التاريخ حزما وعزما وموعظة وعلما ، وهمّة تذهب همّا ، وثباتا يزيل وهنا ، وصبرا يبعثه في الناس حسن التأسّي بمن مضى « 4 » ، واحتسابا يوجب الرضا بما مرّ وحلا من القضا : « وكلّا نقصّ عليك من أنباء الرسل ما نثبّت به فؤادك . . . - لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب » « 5 » . . . . . فالرأي عندنا ألّا يقبل مدح ولا ذمّ من المؤرّخين الّا بما اشترطه الشيخ الإمام الوالد « 6 » حيث قال - ونقلته من خطّه في مجاميعه - : « يشترط في المؤرّخ الصدق ، وإذا نقل أن يعتمد اللفظ دون المعنى ( 7 ) ، وألّا يكون ذلك
--> ( 1 ) أفراد الزمان : الذين يكون منهم في الزمن الواحد فرد واحد ( النخبة ) . ( 2 ) يقال : دعاهم الجفلى ( دعاهم جميعا ، بجماعتهم ، بأكثرهم ) . يقصد السيوطي ( أنه لم يذكر في كتابه نفرا كثيرين . ( * ) ماء آسن : تغير طعمه . ( 3 ) من سورة الحاقة : فهل ترى لهم من باقية ( 69 : 7 ) ثم « لنجعلها تذكرة وتعيها أذن واعية » ( 69 ) : 12 ) . ( 4 ) لعل الجملة : وان ذكر ، فلجهله لا يتذكر . ( 5 ) التأسي : أن يقيس انسان حاله بحال غيره ( ممن أصيب بأكبر من مصيبته ) فيحمله ذلك على الرضا بحاله هو . ( 6 ) والد جلال الدين السيوطي . ومع أن الأسطر التالية هي لوالد السيوطي ، فإنها تدل على اتجاه السيوطي نفسه لأنه تبناها .