عمر فروخ

838

تاريخ الأدب العربي

وقد كنت في زمن الصبا مشغوفا بالنظر إلى محاسن هذا الفنّ مولعا بالتنقير عن مباحثه التي طنّ على أذني منها ما طنّ ؛ أطيل الوقوف بمعاهده ، وأتردّد إلى بيوت شواهده ، وأسبح فيه سبحا طويلا ، وأجد التعلّق بسببه خفيفا ، وإن كان الجاهل يراه ثقيلا . إلى أن ظفرت في أثناء تصفّحي لكتب هذا العلم بالقصيدة المقصورة المسمّاة بالرامزة - نظم الشيخ الإمام البارع ضياء الدين أبي محمّد عبد اللّه بن محمّد الخزرجيّ ، نور اللّه تعالى ضريحه وأمدّ بمدد الرحمة روحه - فوجدتها بديعة المثال بعيدة المنال . ورمت أن أذوق حلاوة فهمها فإذا الناس صيام ، وحاولت أن افترع أبكار معانيها فإذا هي من المقصورات في الخيام . وطمعت منها في لين الانقياد فأبدت إبائة وعزّا ، وسامتها الأفهام أن تفصح عن المراد فأبت أن تكلّم الناس إلّا رمزا . فطفقت أطلّق النوم لمراجعتها وأنازل السهر لمطالعتها ، مع أنّني لا أجد شيخا أتطفّل بقدري الحقير على فضله الجليل ، ولا أرى خليلا أشاركه في هذا الفنّ ؛ وهيهات عدم في هذا الفنّ الخليل . ولم أزل على ذلك إلى أن حصلت على حلّ معقودها وتحرير نقودها وسدّدت سهام البحث إليها وعطّرت المحافل بنفحات الثناء عليها . فقتلتها خبرا وأحييت لها بين الطلبة ذكرا . وعلّقت عليها شرحا مختصرا يضرب في هذا الفنّ بسهم مصيب ويقسم للطالب من المطلوب أوفى [ قدر ] وأوفر نصيب . ثمّ قدم علينا بعض طلبة الأندلس بشرح على هذه المقصورة للإمام العلّامة قاضي الجماعة بغرناطة السيد الشريف أبي عبد اللّه محمّد بن أحمد الحسيني السبتيّ ، رحمة اللّه عليه ورضوانه ، فإذا هو شرح بديع لم يسبق إليه ومؤلّف نفيس ملأه ( الشارح ) من بدائع الحلى ما يستحليه ذوق الواقف عليه . ووجدته قد سبقني إلى ابتكار ما ظننت أنّي أبو عذرته وتقدمني إلى الاحتكام في كثير ممّا خلت أنّي مالك إمرته . فحمدت اللّه إذ وفّقني لموافقة عالم متقدّم ، وشكرته على ما أنعم به من ذلك ولم أكن على ما فات من السبق بمتندّم . لكنّي أعرضت عمّا كنت كنيته ( كتبته ! ) وطرحته في زوايا الإهمال واجتنبته ، إلى أن حرّكت الأقدار عزمي في هذا الوقت إلى كتابة شرح وسيط فوق الوجيز ودون البسيط جمعت فيه بين ما سبق إليه من المعنى الشريف وما سنح بعده للفكر من تالد وطريف وبعض ما وقفت عليه لأئمّة هذا الشان متحرّيا لما زان متحرّفا عمّا شان معترفا بعجز الفكر وقصوره وكلال الذهن وفتوره . ولمّا