عمر فروخ
688
تاريخ الأدب العربي
فكلّهم أشاروا عليه بعبور بحر النيل إلى الجانب الشرقيّ والعود إلى الشام ، وقالوا : إن نحن انهزمنا فإلى من نلتجئ وبمن نحتمي ، وكلّ من في هذه الديار من جنديّ وفلّاح عدوّ لنا ؟ فقام أمير من مماليك نور الدين يقال له شرف الدين بن برغش - صاحب الشقيف « 1 » - وقال : من ( كان ) يخاف القتل والأسر فلا يخدم الملوك « 2 » بل يكون في بيته مع امرأته . واللّه ، لئن عدنا إلى نور الدين من غير غلبة وبلاء « 3 » نعذر فيه ليأخذنّ أموالنا وما معنا من الإقطاع والجامكيّة وليعودنّ علينا بجميع ما أخذناه منه من يوم خدمناه « 4 » إلى يومنا هذا ويقول : تأخذون أموال المسلمين وتفرّون من عدوّهم وتسلمون مصر إلى الكفّار ؟ فقال أسد الدين : هذا الرأي ، وبه أعمل ! وقال ابن أخيه صلاح الدين يوسف بن أيّوب « 5 » مثله . وكثر الموافقون واجتمعت الكلمة ، وأقاموا بمكانهم « 6 » حتّى وصل الفرنج والمصريون وهم على تعبئتهم « 7 » . فجعل أسد الدين الأثقال في القلب ، لا ليتكثّر بها ( بل ) لأنّه لا يمكنه تركها في مكان آخر خوفا من أن تنهب ، وجعل صلاح الدين في القلب وقال له ولمن معه : إنّ المصريّين والفرنج يجعلون حملتهم على القلب ، فإذا حملوا عليكم فلا تصدقوهم القتال ولا تهلكوا أنفسكم واندفعوا من بين أيديهم « 8 » . فإذا عادوا عنكم فارجعوا في أعقابهم « 9 » . واختار هو من شجعان عسكره جمعا
--> ( 1 ) الشقيف أو قلعة الشقيف ( شقيف أرنون ) قرب صيدا اشتهرت في أثناء الحروب الصليبية وانتقلت مرارا من أيدي المسلمين إلى أيدي الصليبيين وبالعكس . ( 2 ) يخدم الملوك : يحارب في جيوشهم . من يخاف - إن الذي . . . . ( تعبير ضعيف ) . ( 3 ) البلاء : بذل الجهد في القتال . ( 4 ) الاقطاع نظام يتملك به الجندي أرضا من الملك . والمقصود هنا القطائع جمع قطيعة وهي قطعة أرض كان يمنحها الملك لرؤساء الجند . الجامكية : الراتب . ليعودن علينا بجميع ما أخذناه : يسترد منا كل ما كان قد أعطانا إياه . من يوم خدمناه : منذ اليوم الذي دخلنا فيه في جيشه . ( 5 ) صلاح الدين الأيوبي . ( 6 ) يقصد جيش شيركوه . ( 7 ) وهم على تعبئتهم : وجيش شيركوه مستعد للحرب . ( 8 ) القلب : القسم الأوسط ( والأكبر ) من الجيش . حملوا : هجموا . لا تصدقوهم القتال : لا تحاربوا حربا شديدة ، تظاهروا لأنكم تحاربون . اندفعوا من بين أيديهم ، تظاهروا بالهزيمة . ( 9 ) فإذا عادوا : فإذا ظن الإفرنج والمصريون أنكم انهزمتم ورجعوا عنكم فعودوا على أعقابهم ( في أثرهم ، اتبعوهم وقاتلوهم ) .