عمر فروخ
633
تاريخ الأدب العربي
وجلال الدين أكبر شعراء التصوّف قاطبة . ثمّ له شعر باللغة التركية وشعر باللغة العربية خالصا ( باللغة العربية وحدها ) أو ملمّعا ( تمتزج فيه الأبيات الفارسية بالأبيات العربية أو الأشطر الفارسية بالأشطر العربية ) . وأشهر آثار جلال الدين الروميّ وأهمّها مثنوي ( المزدوج : وهو شعر أبياته مصرّعة على ما نعرف ، في العربية ، في بحر الرجز المفرد ، ولكن بيتين بيتين ) ، نحو ( مطلع كتاب مثنوي أو : مثنوى معنوي ) « 1 » : بشنو از نى چون حكايت مىكند * وز جدائيها ني شكايت مىكند كز نيستان تا مرا ببريدهاند * از نفيرم مرد وزن ناليدهاند ولجلال الدين الروميّ في ديوانه « مثنوي » آراء حكميّة عامّة في الحياة والأخلاق والفلسفة ، ولكنّها كلّها تجري على المنهج الصوفي الموغل إلى حدّ الاتّحاد والحلول ( الإيهام بأنّ الصلة بين الانسان وبين اللّه وثيقة حتّى ليظنّ أنّهما كائن واحد ) . ولقد استمدّ جلال الدين الروميّ آراءه ، في الأصل ، من القرآن الكريم والحديث الشريف ومن أشعار العرب القدماء والمتأخّرين ومن الفلسفات القديمة وعلم الكلام والفقه ومن القصص الفارسية والعربية . وقيمة هذه الآراء الرفيعة في ديوان من الشعر أنّ جلال الدين الروميّ استطاع أن يعالجها معالجة واضحة تقرّبها من الأذهان ، حتّى من ذهن الرجل العاديّ أحيانا . ثمّ إنّ جلال الدين لا يعتمد - عند عرض هذه الآراء في شعره - أسلوب البراهين المنطقية ، بل يعتمد الذوق الصوفيّ والاقتناع الوجدانيّ . ونثر جلال الدين ( في اللغة العربية ) أحسن من شعره ( باللغة العربية ) من حيث التركيب ومن حيث صفاء الأسلوب ، ذلك لأنّه كان في نثره ذلك القليل أكثر اعتناء وأكثر اقتباسا من التراث اللغويّ والأدبي ، فكثير من جمله في نثره في الحقيقة تراكيب مجموعة من الأدب العربيّ المرويّ الشائع . إنّ شعره العربيّ بسيط سهل تغلب عليه الركاكة والتفكّك ، ذلك لأنّه كان يحاول أن يضع صوره الشعرية الفارسية في أوزان فارسية أو شبه فارسية ولكن بلغة عربية .
--> ( 1 ) راجع معنى البيتين بالعربية على الصفحة التالية ( اسمع الناي . . . . قال إني . . . ) . ثم لاحظ أن القافية هي الكلمة التي قبل الكلمة الأخيرة في كل شطر : حكايت وشكايت - ببريدة وناليدة ) . أما مىكند ومىكند ثم أند وأند فتسمى الردف ( التالية للقافية الحقيقية ) .