عمر فروخ
431
تاريخ الأدب العربي
الظالمة المظلمة ، فلجأوا إلى تعاطي حشيشة الكيف ثمّ نشروا هذه المفسدة بين الناس لأنّهم أرادوا أن يجعلوا سائر الناس مثلهم ليقلّ انتقاد الناس لهم على سلوكهم الغريب . وأدرك الحكّام الواعون أخطار التصوّف المتطرّف خاصّة وما يخلقه من الفساد وما كان له من الأثر السيّء على العامّة ومن الخطر على الدولة وعلى الدين ، فقد قاتل السلطان لؤلؤ صاحب الموصل ( 631 - 657 ه ) أتباع الطائفة العدويّة ( اليزيديّة ) وقضى على كثيرين منهم . ولم ينج المتصوّفة في مصر من مثل هذه المعاملة . غير أنّ عمر بن الفارض ( ت 632 ه ) في مصر ومحيي الدين بن عربيّ في الشام قد نجوا من الاضطهاد الظاهر ، وإن كانا قد اتّهما تهما كثيرة . ثمّ جرو العامّة أنفسهم فقتلوا محيي الدين بن عربي ، سنة 638 ه ، بسبب شطحه « 1 » . غير أنّ هذا الحكم لا ينطبق على المرابطين الذين كانوا يقيمون في الرباطات « 2 » زاهدين في متاع الدنيا ، على مقربة من الأعداء يقاتلون كلّما وجدوا الفرصة سانحة للقتال من غير أن يتركوا للأعداء سبيلا إلى الاطّلاع على حقيقة أمرهم فلا يتمكّنوا بعد ذلك من القتال للدفاع عن بلاد الإسلام . الخصائص الأدبية غلب على الشعر في هذه الفترة شيء كثير من السهولة والرقّة ومن تناول الأغراض القريبة من النفس مع شيء كثير من الصناعة والتأنّق ومن الاتّكاء على التوريات خاصّة . فمن الذين مثّلوا هذا الاتّجاه تمثيلا واضحا : الحاجريّ ( ت 632 ه ) وابن مطروح ( ت 649 ه ) والبهاء زهير ( 656 ه ) . أمّا النثر فقد رجع عن كثير ممّا كان قد بلغ إليه عند القاضي الفاضل ( ت 596 ه ) . وبلغ الأدب الصوفيّ في هذه الفترة ذروته العالية في شعر عمر بن الفارض
--> ( 1 ) الشطح كلام على خلاف ظاهره مجانب للعرف الديني وللوازع الاجتماعي معا في بعض الأحيان وخروج عن مقتضى الدين في بعض الأحيان الأخرى ، فقد كان محيي الدين بن عربي يقول ، مثلا : من قال « لا اله الا اللّه » فقد كفر ، لأن الواجب على المؤمن ( في رأي محيي الدين بن عربي ) أن يقول : لا موجود الا اللّه ! ( 2 ) الرباط ( بكسر الراء ) بناء صغير ناء عن العمران يقيم فيه الفرد أو الجماعة للعبادة . ويكون القائمون في الرباط للعبادة - في الوقت نفسه - جنودا من عند أنفسهم يقاتلون في سبيل اللّه ( راجع أيضا الحاشية ، ص 426 ) .