عمر فروخ

429

تاريخ الأدب العربي

والمنازعات بين الأمراء المسلمين لم تنقطع . غير أن العاطفة الإسلامية عادت إلى شيء من القوّة ثم عمل العنصر الروحيّ في التاريخ عمله : في سنة 606 ه ( 1209 م ) جلس سبط ابن الجوزيّ في جامع دمشق وعنده مقادير من شعر الناس - فقد كان الناس يتبرّعون بأشياء كثيرة للمجاهدين ، ومن هذه الأشياء الشعر - ووعظ الناس وحثّهم على الغزو ، وكانوا خلقا كثيرا يملئون ما بين باب الساعات وبين مشهد زين العابدين . ثمّ إنّه كرّر حكاية قدامة الشاميّ مع تلك المرأة التي قطعت شعرها وبعثت به إليه وقالت : « اجعله قيدا لفرسك في سبيل اللّه . ثمّ إنّ ( سبط ابن الجوزيّ ) عمل من الشعور التي كانت عنده مجتمعة شكلا « 1 » لخيل المجاهدين . ولمّا صعد المنبر أمر باحضارها فكانت ثلاثمائة شكال . فلمّا رآها الناس صاحوا صيحة واحدة وقطعوا ( من شعورهم مقدارا ) مثلها . وكان والي دمشق حاضرا والأعيان . فلمّا نزل ( سبط ابن الجوزيّ ) عن المنبر قام والي دمشق فمشى معه ، وركب وركب الناس وخرجوا إلى باب المصلّى - وكانوا خلقا لا يحصون كثرة - وساروا إلى نابلس لقتال الفرنج فأسروا وهزموا وهدموا وقتلوا ورجعوا سالمين غانمين « 2 » . وفي سنة 632 ه ( 1235 م ) بدأ الأشرف « 3 » ببناء جامع مكان خان الزنجاري بالعقيبة - وكان خانا معروفا بالفجور والخواطىء والخمر ، وسمّي الجامع جامع التوبة « 4 » . في هذه الفترة نال العلماء حظوة عند الحكّام ثمّ أصبح لهم نفوذ كبير على الناس حتّى كانوا يعترضون الحكّام إذا خرج أولئك الحكّام في سياستهم أو في سلوكهم عن مقتضى الشرع . كان العزّ بن عبد السلام - واسمه الكامل : سلطان العلماء عزّ الدين أبو محمّد عبد العزيز بن عبد السلام ( ت 660 ه ) - فقيه وقته والآمر بالمعروف والناهي عن المنكر في زمانه جريئا في الحقّ على الحكّام ذا كلمة مسموعة في الناس خاصّتهم وعامّتهم . وكان إذا نبّه الوالي أو السلطان إلى أمر مغاير للشرع لم ينتظر حتّى يتحرك الوالي أو السلطان إلى إصلاح

--> ( 1 ) الشكل ( بضم الشين والكاف ) جمع شكال ( بكسر الشين ) : حبل تربط به قوائم الإبل ( والخيل ) . ( 2 ) راجع شذرات الذهب 5 : 18 . ( 3 ) لعله الملك الأشرف موسى بن محمد الأيوبي ( ت 635 ه ) . ( 4 ) شذرات الذهب 5 : 148 .