عمر فروخ

42

تاريخ الأدب العربي

ولا يبعد مجرى النثر في هذه الحقبة كلّها عن مجرى الشعر كثيرا ، إذا نظرنا إلى النثر على أنّه براعة فنّيّة . إنّ الأدب العربي أدب شعر أكثر منه أدب نثر ، والناثرون البارعون أقلّ عددا في اللغة العربية من الشعراء البارعين . ثمّ إذا نحن اعتمدنا النسبة العددية بين الشعراء والناثرين عموما وجدناها نسبة ضئيلة جدّا ووجدنا الفرق بين عدد الناظمين وعدد الناثرين كبيرا جدّا . والناثرون المنشئون ، من كتّاب الرسائل ومن الطابعين نثرهم على أسلوب الرسائل ، كثير والعدد في القرن الرابع الهجري وفي القرون التي تلته . ولكنّ هؤلاء كانوا يجرون على رواسم « 1 » ورثوها من القرن الرابع ، وكانوا أكثر تلاعبا بالكلمات والتراكيب والجمل - ممّا يدور على اللفظ ( في التوريات ، مثلا ) - منهم براعة في الكشف عن عبقريّة الألفاظ والتراكيب . ثمّ انّ نفرا كثيرين من أولئك الناثرين كانوا كتّابا ( موظّفين ) في دواوين الإنشاء ، ولعلّ نتاجهم لم يكن سوى استملاء من رؤساء ديوان الإنشاء أو نسخ لرسائل رؤسائهم أو تقليد لأساليب رؤسائهم . وبعد ، فإنّ رسائل هؤلاء كانت في أغراضها ومعانيها وأساليبها متقاربة جدّا حتى ليستحيل على الدارس أن يستخرج منها خصائص هؤلاء الكتّاب واضحة مستقلّة . أمّا ذوو الاتّجاه العقليّ المنطقيّ - من الذين أرّخوا العلم والاجتماع وعانوا النقد الأدبي - كأبي بكر الباقلانيّ ( ت 403 ه ) وأبي حيّان التوحيديّ ( ت 414 ه ) أو من الذين اتّكئوا على الصناعة اتّكاء كبيرا كالثعالبيّ فهم ، بعد ، من نتاج القرن الرابع الهجري . إنّ التقسيم الصناعي العملي لتاريخ الأدب يحملنا على أن نجعلهم في التأليف مع أدباء القرن الرابع لأنّ عادة المؤرّخين أن يعتمدوا في التصنيف والترتيب والتطبيق « 2 » سنة الوفاة ؛ ولو أنّهم اعتمدوا في هذا المجال سنة الولادة لانتقل عند التأليف ، نفر كثيرون من كلّ عصر إلى العصر الذي سبقه . - في بغداد وفارس : أمّا في الأدب الخالص ، وفي الشعر خاصّة ، فقد اتّسع وصف الطبيعة لجمال

--> ( 1 ) الروسم طابع يطبع به ، والعلامة ، وخشبة مكتوبة بالنقر يختم بها . يجرون على رواسم : يقلدون الخصائص الظاهرة ( اللفظية ) من الأساليب المشهورة . ( 2 ) التطبيق : جعل الأشياء طبقات ( بعضها فوق بعض ) في عدد من خصائصها .