عمر فروخ

36

تاريخ الأدب العربي

ومنذ غرّة القرن الخامس الهجري كانت قوّة الفاطميّين في ذروتهما ، فقد خطب لهم « 1 » ( 401 ه ) بالموصل والكوفة . فبدأ العبّاسيّون منذ ذلك الحين يقاومون الدعوة الفاطمية بكلّ سبيل وفي كلّ شكل . ففي سنة 402 ه اجتمع في بغداد نفر من علماء السنة كأبي حامد الأسفراييني ونفر أكثر من علماء الشيعة منهم الشريف الرضيّ وأخوه الشريف المرتضى وأبو عبد اللّه بن النعمان فقيه الشيعة وكتبوا محضرا يتضمّن القدح في نسب العلويّين ( الفاطميّين ) خلفاء مصر ( ابن الأثير ، بيروت ، 9 : 236 ) . وفي سنة 403 ه أصبح الشريف الرضيّ نقيبا للطالبيّين ( مكان أبيه ) ولبس السواد ( شعار العبّاسيّين ) . وفي 406 ه منع أهل الكرخ ( غربيّ بغداد ) من النوح يوم عاشوراء ومن نشر المسوح ( تعليق الثياب السود على بيوتهم ) . وكان القائمون بالدولة الفاطمية في مصر هم الذين يسيّرون الدولة الفاطمية لا الخلفاء الفاطميّون ، وكان كثير من هؤلاء يهودا ونصارى ، كما كان سلوكهم الشخصيّ والسياسي - فيما يتعلّق بالدعوة الفاطمية وسياسة الدولة معا - داعيا إلى الاستغراب ، كما سنرى في أثناء الحروب الصليبية . ولقد كان في مقتل الحاكم بأمر اللّه ( 411 ه ) مجال واسع للتفكير والاعتبار . يبدو أنّ الحاكم بأمر اللّه كان مفكّرا كبيرا وحازما قديرا فأراد أن يجعل الدولة الفاطمية فاطميّة صحيحة بأن يردّ أمرها إلى أيدي الفاطميّين فقام بعدد من وجوه الاصلاح الصحيح . غير أنّ أخبار الحاكم بأمر اللّه مختلط بعضها ببعض منها الصحيح في الرواية ومنها غير ذلك « 2 » . وكانت الدعوة قد بقيت عامّة حتّى جاء الحاكم بأمر اللّه فأوجد دعوة جديدة وأرسل إلى الشام داعية اسمه نشتكين الدرزيّ ( بفتح الدال والراء ) . ومع أنّ الدرزيّ قد خان الدعوة ، فقتل من أجل ذلك ( 410 ه - 1019 م ) ، فانّ الحركة الجديدة تسمّى المذهب الدرزيّ ( بضمّ الدال وسكون الراء )

--> ( 1 ) إن الدعاء للخليفة في خطبة يوم الجمعة أمر ديني ومظهر من مظاهر السلطة السياسية . ( 2 ) إذا أتيح لأحد أن يدرس حياة الحاكم بأمر اللّه في كتب التاريخ وكتب الأدب فإنه يستطيع أن يجلو للحاكم صورة سياسية جميلة جدا . ولعل مثل هذه الدراسة تلقي ضوءا جديدا على الخلافة الفاطمية في القاهرة فتدل على أن تلك الخلافة كانت خلافة فاطمية في الظاهر فقط ( وعلى أن مقتل الحاكم كان لأنه أراد أن يعيد تلك الخلافة فاطمية صحيحة ) .