عمر فروخ
28
تاريخ الأدب العربي
ومن العوامل التي تترك أثرا في تطوّر اللّغة : الموسيقى ( أو الميل إلى سهولة اللّفظ ) . إنّ للأحرف مخارج في الفم ( بين أقصى الحلق وظاهر الشّفتين ) . ويسهل لفظ الكلمة إذا كانت أحرفها مفرّقة بين تلك المخارج تفرّقا متقاربا . أمّا إذا تقاربت المخارج جدّا ( نحو : ضغطت ) أو تباعدت جدّا ( نحو : فقدت ) عسر النّطق بها ، حتّى ذكر علماء اللغة أنّ الكلمة التي تجتمع فيها الحاء والعين أو القاف والجيم لا تكون من اللّغة العربية « 1 » . وهذا العامل الموسيقى نجده عندنا وعند غيرنا : ربّما لم تكن الكلمة عسيرة في اللفظ ، ولكن يجذ الناس في تبديل حروفها يسرا جديدا ، فيدخلون عليها شيئا من التبديل . وهذا نجده عندنا وعند غيرنا أيضا . في اللّغة الفرنسيّة واللّغة الإنكليزيّة لا يجد الناس حرجا ( ضيقا ) في لفظ التاء بعد الكاف ( في الكلمة الواحدة ) : فكتوريا ، بكتورسك ، إلخ « 2 » . وكره الإيطاليون ذلك ، فهم يقولون : فتّوريا ، بتّورسكو « 3 » ، إلخ . والإسبان يكرهون التضعيف في الفاء وفي الپاء الفارسيّة ( المنقوطة بثلاث نقط من تحتها ) ، ولا يكرهونه في الراء . والعرب أيضا لا يحبّون التضعيف حبّا جمّا ، فنحن نستطيع أن نقول لم يمدّ ( بتضعيف الدال وفتحها ) ولكنّ فكّ الإدغام ( لم يمدد - بضمّ الدال الأولى وتسكين الدال الثانية ) أجود . ودحرج في الحقيقة ترجع إلى درّج ، فكره العرب تشديد الراء هنا . ثمّ فسكل ( جعلت فيها الكاف مكان إحدى السّينين ) من فسّل « 4 » . ونحن نعرف باب الإعلال والإبدال ( جعل بعض الحروف مكان بعضها الآخر ) . فهذا أيضا باب من الموسيقى ( الميل إلى سهولة اللّفظ في اللّغة ) . إنّ « قال » أهون في النّطق من قول ( بفتح فتح ) . وكذلك يقول ( بفتح فضمّ ) أيسر في النّطق من يقول
--> ( 1 ) هنالك أحرف لا تتوالى على نسق مخصوص لتنافر حروفها . في القاموس ( 3 : 217 ) مثلا : « لا تجتمع الجيم والقاف في كلمة إلّا ( إذا كانت تلك الكلمة ) معرّبة أو صوتا » . ( 2 ) Victoria , picturesque . ( 3 ) Vittoria , Pittoresco . ( 4 ) فسكل الفرس : جاء في السباق آخرا . وفسكل الرجل : جاء متأخرا تابعا . فسّل الرجل الشيء : أرذله وزيّفه . وفسّل فلان فلانا : فتّره وكسر نشاطه .