عمر فروخ
26
تاريخ الأدب العربي
الثقافة أبا عن جدّ . من الممكن أن أدرس تاريخ الشعر الإيطالي على مدّى أوسع وأعمق ممّا يعرفه رجل إيطاليّ ، ولكن إذا أنشد أمامي شعر إيطالي ، فلا يمكن أن أحسّ أنا بعلمي بالشعر الإيطاليّ تلك الهزّة التي يجدها الإيطاليّ عند سماع شعر ينشده إيطاليّ مثله باللغة الإيطالية . واللغة كما قيل - وأحسب أن قائل ذلك فيكتور هيغو الفرنسيّ - : عمل الحياة بمعنيين ( بمعنى أنّها تحتاج في إتقانها إلى عمر الفرد كلّه ثمّ بمعنى أنّها لا تلين إلّا للذي يحيا في أهلها : يولد فيهم ويذهب مذهبهم ويحسّ إحساسهم ) . لقد نقل نفر في الشرق وفي الغرب رباعيّات عمر الخيّام إلى لغاتهم ( وفي اللغة العربية عدد من النقول لتلك الرّباعيّات ) . ولا شكّ في أن تلك النّقول تتفاضل فيما بينها ، فبعضها أصحّ في النقل من بعض ، وبعضها أحسن في اللّغة من بعض ، وبعضها أجمل في القول من بعض . ولكنّ عمر الخيّام لا يبدو إلّا في رباعيّاته التي نظمها هو باللغة الفارسيّة . أمّا النّقول فإنّها تمثّل الذين نقلوها ، ولا صلة لها بعمر الخيّام إلّا في أنّ عددا من معانيها قد جاء في بعض شعر عمر الخيّام . في الشعر خاصّة ، وفي الأدب عامّة ، عدد من المقوّمات : المعاني والتعبير والبلاغة ثم الثقافة الموروثة . وناقل النّصوص الأدبية يستطيع أن يدرك المعانيّ الظاهرة وأن يأتي بالتعبير الآلي ، ولكن يستعصي عليه الخيال القائم على البلاغة ويستحيل عليه استلهام الثقافة القوميّة . نحن نتكلّم على القمر المنير ، والإنكليز يتكلّمون على البدر الشاحب اللون . والقمر عندنا وعند الألمان مذكّر ( والشمس عندنا وعندهم مؤنّثة ) . أمّا عند الفرنسيّين والإنكليز ، فالقمر مؤنّث والشمس مذكّرة . لمّا قال محمّد إمام العبد ( ت 1329 ه - 1911 م ) - وكان أسود اللون - : أنا ليل وكلّ حسناء شمس * فاجتماعي بها من المستحيل ، كان قوله هذا مفهوما لدينا . ولكنّ الفرنسيّ والإنكليزيّ لا يفهمان من قوله هذا سوى المعنى الفلكيّ ( وذلك أن الشمس لا ترى في الليل ، أو لا يكون هنالك ليل إلّا