عمر فروخ
24
تاريخ الأدب العربي
وسرعان ما تخرج اللغة من طورها الطبيعيّ إلى طورها الاجتماعيّ . في هذا الطور الاجتماعيّ تنقطع الصّلة بين اللفظ والنّطق ، إذ ينشأ المجاز ويصبح للكلمة الواحدة عدد من المعاني لاختلاف الأحوال التي تستخدم فيها . فالشمس مثلا تظلّ دالّة على الجرم السماويّ المنير الذي يبدو فيجعل يومنا نهارا مضيئا ثمّ يخفى ( يغيب ) فيجعل يومنا ليلا مظلما . ثمّ هو يدلّ عندنا نحن العرب على المرأة الجميلة . وهنالك عند الفرنسيس « الملك الشمس » ( لويس الرابع عشر ) لأنّ بلاطه كان يضيء البلاد . وتتداخل الصّيغ من الجذور التي تكون قد نسيت أصولها فينشأ في اللغة ألفاظ واحدة تدلّ على معان مختلفة أو متناقضة . هنالك عندنا « قدر » بمعنى استطاع ثمّ قدر بمعنى ضيّق . فهل جاءت هاتان اللفظتان « قدر » من جذرين مختلفين تقارب مع الأيام لفظهما ( وهذا ما أراه ) أمّ أنّهما جاءتا من جذر واحد ثمّ جعل لهما المتكلّم معنيين مختلفين ؟ ( وهذا أيضا ممكن ) . في اللغة العربية كلمة « أكحل » ، فهي تعني في دير الزور ( بتفخيم الواو ) وفي المغرب « الأسود » ، بينما هي في الشام ( على الشاطئ الشرقي من البحر الأبيض المتوسّط ) تعني « المائل إلى الزرقة » وتعني « الذي يضع في عينيه كحلا » . وعندنا في العربية أيضا كلمة « آنسة » . كان معناها في الجاهلية « المرأة التي يلهو معها الرجل في كلّ شيء إلّا الزّواج » ثمّ أصبح معناها عندنا اليوم « الفتاة الصغيرة المهذّبة » . ومن الاتّفاق أنّ كلمة « آنسة » « 1 » كانت في القرن السابع عشر ( عند الفرنسيين ) تدلّ على المرأة المتزوّجة ثمّ أصبحت اليوم تدلّ عندهم على ما تدلّ عليه عندنا الآن . ومثل ذلك نجده في كثير من اللغات . في اللّغة الألمانية كلمة « عام » « 2 » ، وهي تدلّ على الشيء المألوف الشائع . أمّا في
--> ( 1 ) Mademoiselle . ( 2 ) gemein .