عمر فروخ
239
تاريخ الأدب العربي
ولعله يشبه رئيس قلم الاستخبارات في هذه الأيام . ولقد بقي هذا المنصب في عقبه إلى أواخر أيام الخليفة المقتفي ( ت 505 ه - 1111 م ) . في إحدى زورات الحريريّ لبغداد ( 504 ه ) اتّهمه قوم بأنه سرق « المقامات » من أحد المغاربة وادّعاها ، ثم تحدّوه بإنشاء مقامة واحدة مثلها . فمكث الحريريّ في بيته أربعين يوما فلم يتهيّأ له تركيب كلمتين ولا الجمع بين لفظتين ، فعاد إلى البصرة منكسرا . غير أنه استطاع أن ينشئ عشر مقامات جديدة فأصعد بها إلى بغداد وعرضها على الذين كانوا قد تحدّوه فأقرّوا له عندئذ بالفضل ( معجم الأدباء 16 : 264 - 266 ) . وكانت وفاة الحريري في البصرة في 6 رجب 516 ( 11 / 9 / 1122 م ) . 2 - كان الحريريّ ( معجم 16 : 262 ) غاية في الذكاء والفطنة والفصاحة والبلاغة . وكان صاحب ظرف وفكاهة ودعابة ، ولكنّه لم يكن صاحب بديهة . وله نثر ونظم ينكشفان عن مقدرة عظيمة في اللغة وعن إحاطة واسعة بعلوم عصره وخصوصا بكلام العرب وأخبارها ولغاتها وأمثالها وأسرار كلامها ( وفيات الأعيان 2 : 165 ) . ومع أنه لم يبتكر فنّ المقامات فإنه بلغ فيه الغاية من التأنّق ومن التصرّف في تراكيب الكلام وفنون البلاغة . وللحريري تآليف مشهورة منها : درّة الغوّاص في أوهام الخواصّ ( نبّه فيها على كلمات يستعملها الكتّاب في غير مواضعها ) - ملحة الإعراب ( منظومة في النحو للمبتدئين ) - شرح ملحة الإعراب - مجموع شعر ( غير الموجود له في المقامات ) - مقامات - مجموع من الرسائل الإخوانية . وأشهر تآليف الحريري مقاماته : بدأ الحريريّ تأليف مقاماته سنة 495 ه ثم أتمّها خمسين مقامة في بضع سنين . وقد قلّد الحريريّ في المقامات بديع الزمان الهمذانيّ ، إلّا أنه زاد عليه في التأنّق اللفظيّ وفي تكلّف أنواع البديع ثم أغرق في الموازنة والمقابلة وفي التضمين والاقتباس ثم تعمّد إبراز مقدرته اللغوية والأدبية والتاريخية والفقهية . والحريريّ هو الذي خلق من المقامات فنّا مستكملا في الأدب العربي : ان جميع الذين أنشئوا مقامات قد قلّدوا الحريريّ في الجانب اللفظيّ والتوسّع في الزخرف لأنهم لم يستطيعوا أن يبلغوا إلى بديع الزمان في الجانب المعنوي من ابتكار الموضوعات ومن الجري على السليقة