عمر فروخ

20

تاريخ الأدب العربي

والاجماع اليوم يكاد يكون منعقدا على أنّ الانسان قد تعلّم الأصوات من الطبيعة : لقد قلّد الإنسان في التعبير عن قصوده أصوات الحيوان والجماد والنبات ( صوت الرعد وصوت الكلب وصوت الأغصان في الرياح ) . وليس ذلك عندنا بمستبعد ، بل لا بدّ من أن يكون الإنسان قد نقل عددا من أصواته عن الطبيعة . غير أنّ حقّنا أن نقول إنّ الإنسان قد أخرج عددا كبيرا من أصواته من عند نفسه . إنّ الإنسان إذا فتح فاه وهو راض مطمئنّ خرج من فيه صوت غير الصوت الذي يمكن أن يخرج من فيه إذا هو كان غضبان مضطربا . ويحسن أن أشير هنا إلى أن اللغة بالحركات وبالأصوات كانت لغة منطقيّة ، أي ذات صلة واحدة واضحة : كان لكلّ قصد حركة خاصّة به أو صوت خاصّ به . ثمّ كانت الحركات والأصوات هذه كلّها طبيعيّة : لم يكن هنالك حاجة إلى تعلّمها ، بل كان القصد هو الذي يخرج الحركة المطلوبة أو الصوت المطلوب . إنّ الأصوات الدّالّة على التأوّه والتوجّع والتنهّد والتعجّب والاستحسان والاستهزاء والرّدع أو الزّجر والحثّ معروفة ومرتبطة بأفعالها ارتباطا وثيقا طبيعيّا ، حتّى إنك لتجد هذه « الأصوات » دالة على أفعالها عندنا ( في اللغة العربية ) وعند غيرنا . وحينما ننتقل من الأصوات وأسماء الأصوات « 1 » إلى الألفاظ نجد أن الأمر ما زال ( في الألفاظ الأولى في اللغة ) منطقيّا طبيعيّا كالقهقهة والزغردة والنّواح والهدير والحفيف والرنين والطنين والصفير والحسيس ( الصوت الخفيّ ) ، فإنّ كلّ لفظ من هذه الألفاظ يحمل صوت الفعل الذي يدلّ ذلك اللفظ عليه . وهنالك ظاهرة تبدو غريبة ، وهي أنّ الألفاظ الدالّة على مظاهر الطبيعة نجد فيها غالبا حرف الراء ، نحو : رعد ، برق ، ريح ، مطر ، برد ( بفتح ففتح ) ، برد ( بفتح فسكون ) ، حرّ ، أرض ، تراب ، صخر ، حجر ، مدر ( طين ) ، شجر ، ورق ، زهر ، ثمر ، بذر ، بزر ، إلخ . هذا ونحن الآن نستعرض الألفاظ الموجودة في أيامنا . ولعلّنا لو رجعنا إلى ماضي اللغة ( إلى الألفاظ التي خرجت من التداول بيننا ) وجدنا أن هذه الألفاظ

--> ( 1 ) اسم صوت مثل « صه » : اسكت ( والعامّة يقولون : هص ) .