عمر فروخ
147
تاريخ الأدب العربي
وكذلك كانت المذاهب الدينية كثيرة متباينة ، وكان الشيعة عنصرا بارزا جدّا في الحياة الاجتماعية ، من أجل التشجيع الذي كان الشيعة قد لقوه منذ وصل البويهيّون إلى الحكم ثمّ منذ قامت الدولة الفاطمية في مصر . وعظم العداء بين أتباع المذاهب الشيعية المتطرّفة كالفاطميّين والإسماعيلية والحشّاشين ، وبين أتباع المذاهب السنّيّة . فلمّا جاءت الحملات الصليبية على الشام انحاز أصحاب المذاهب الشيعيّة المتطرّفة إلى الإفرنج الصليبيين بعاطفتهم وبسلاحهم في بعض الأحيان ، إذ عدّوا الدولة القائمة في العراق والشام دولة سنّيّة . من أجل ذلك كانوا ميّالين إلى مظاهرة الإفرنج الصليبيين على أهل السنّة . على أن مثل هذا العداء لم يكن فقط بين الشيعة وبين السّنّة ، بل كان في أحيان معدودة بين أهل السنّة أنفسهم بعامل الضعف البشريّ . فإذا كان الحشّاشون من الإسماعيلية قد حاولوا اغتيال صلاح الدين ، وإذا كان شاور وزير العاضد الفاطميّ في مصر قد مالأ الصليبيّين على احتلال القاهرة طلبا لمساعدتهم على بسط النفوذ الفاطميّ في الشام ، فان أهل دمشق قد فاوضوا بعض ملوك الإفرنج الصليبيّين لمحاربة نور الدين . على أن مثل هذه الوقائع الكثيرة المؤلمة باب من أبواب التاريخ ، ولسنا في هذا المقام في حاجة الّا إلى هذه الإشارة العارضة . ولمّا طالت الحرب ملّ الناس وأخذوا يتقاعسون عن الجهاد . وكان كثير من الناس يهربون من القيام بالجهاد إلى الاعتزال في المساجد والزوايا ورباطات الصوفية ، وربّما غادر جماعات منهم البلاد إلى مكّة ليجاوروا فيها بعيدا عن خوض الحرب وعن سماع أخبارها . ومما ساعد على هذا التقاعس بين عامّة الناس عن الجهاد انتشار التصوّف وكثرة الصوفيّين الذين كانوا يعظون ويحثون الناس على الزهد وطلب الآخرة وعلى العبادة والذكر من غير أن يذكروا كلمة عن الجهاد أو حضّا على الدفاع عن الاسلام ؛ حتّى إن الإمام الغزّاليّ ( ت 505 ه - 1111 م ) رأى القدس تسقط في أيدي الصليبيّين ولم يذكر الجهاد بكلمة غير أن هذا لم يمنع الإمام ابن تيميّة ( ت 728 ه - 1263 م ) من أن يحمل على الناس من أجل تقاعسهم هذا . ومع أن التجارة قد بارت عموما ، فان نفرا من التجّار قد اغتنوا وعاشوا عيشة رفاهية وترف بينما كانت جماهير من الناس تعيش عيشة قلّة وشظف . وراجت