عمر فروخ

57

تاريخ الأدب العربي

الذين خلّف لهم أبوهم المال الكثير فتنازعوه ( اقتسموه ) بينهم . فأما الاثنان الكبيران فإنهما أسرعا في إتلافه وإنفاقه في غير وجهه . وأما الصغير فإنه عندما نظر ما صار اليه أخواه من إسرافهما وتخلّيهما من المال أقبل على نفسه يشاورها وقال : يا نفس ، إنما المال يطلبه صاحبه ويجمعه من كل وجه لبقاء حاله وصلاح معاشه ودنياه وشرف منزلته في أعين الناس ، واستغنائه عما في أيديهم ، وصرفه في وجهه من صلة الرحم والإنفاق على الولد والإفضال على الإخوان . فمن كان له مال ولا ينفقه في حقوقه كان كالذي يعدّ فقيرا وإن كان موسرا . وإن هو أحسن إمساكه والقيام عليه لم يعدم الأمرين جميعا ، من دنيا تبقى عليه وحمد يضاف إليه . ومتى قصد إنفاقه على غير الوجوه التي حدّت له لم يلبث أن يتلفه ويبقى ( هو ) على حسرة وندامة . ولكنّ الرأي أن أمسك هذا المال فإني أرجو أن ينفعني اللّه به ويغني إخوتي على يديّ فإنما هو مال أبي ومال أبيهما . وإنّ أولى الإنفاق على صلة الرحم وإن بعدت ، فكيف بإخوتي . فأنفذ فأحضرهما وشاطرهما ماله . « وكذلك يجب على قارئ هذا الكتاب أن يديم النظر فيه من غير ضجر ، ويلتمس جواهر معانيه ، ولا يظنّ أنّ نتيجته إنّما هي الإخبار عن حيلة بهيمتين أو محاورة سبع لثور ، فينصرف بذلك عن الغرض المقصود ويكون مثله مثل الصيّاد الذي كان في بعض الخلج يصيد فيه السمك في زورق . فرأى ذات يوم في عقيق الماء صدفة تتلألأ حسنا فتوهمها جوهرا له قيمة . وكان قد ألقى شبكته في البحر فاشتملت على سمكة كانت قوت يومه ، فخلّاها وقذف نفسه في الماء ليأخذ الصدفة ؛ فلما أخرجها وجدها فارغة لا شيء فيها مما ظنّ . فندم على ترك ما في يده ، للطمع ، وتأسف على ما فاته . فلما كان اليوم الثاني تنحّى عن ذلك المكان وألقى شبكته فأصاب حوتا صغيرا ورأى أيضا صدفة سنيّة فلم يلتفت إليها وساء ظنّه بها فتركها . واجتاز بها بعض الصيّادين فأخذها فوجد فيها درّة تساوي أموالا . . . . « . . . وينبغي للناظر في هذا الكتاب أن يعلم أنه ينقسم أربعة أغراض : « أحدها ما قصد فيه إلى وضعه على ألسنة البهائم غير الناطقة من مسارعة أهل الهزل من الشبان إلى قراءته فيستميل به قلوبهم ، لأن هذا هو الغرض بالنوادر من حيل الحيوانات .