عمر فروخ

526

تاريخ الأدب العربي

. . . . ووجدت - أطال اللّه عمرك - أكثر من شاهدته ورأيته من رواة الأشعار المتأخرين يزعمون أنّ شعر أبي تمّام لا يتعلّق بجيّده جيّد أمثاله ، ورديئه مطروح ومرذول ، ولهذا كان مختلفا لا يتشابه ؛ وأنّ شعر الوليد ابن عبيد اللّه البحتريّ صحيح السبك حسن الديباج ليس فيه سفساف ولا رديء مطروح ، ولهذا صار مستويا يشبه بعضه بعضا . ووجدتهم فاضلوا بينهما لغزارة شعريهما وكثرة جيّدهما وبدائعهما ، ولم يتّفقوا على أيّهما أشعر كما لم يتّفقوا على أحد ممن وقع التفضيل بينهما من شعراء الجاهلية والإسلام والمتأخّرين . وذلك كمن فضّل البحتريّ ونسبه إلى حلاوة النّفس وحسن التخلّص ووضع الكلام في مواضعه وصحّة العبارة وقرب المأتى وانكشاف المعاني ، وهم الكتّاب والأعراب والشعراء المطبوعون وأهل البلاغة ؛ ومثل من فضّل أبا تمّام ونسبه إلى غموض المعاني ودقّتها وكثرة ما يورده مما يحتاج ( فيه ) إلى استنباط وشرح واستخراج ، وهؤلاء أهل المعاني والشعراء أصحاب الصنعة ومن يميل إلى التدقيق وفلسفيّ الكلام . . . . وإنّهما لمختلفان لأن البحتريّ أعرابيّ الشعر مطبوع وعلى مذهب الأوائل ما فارق عمود الشعر قطّ ، وكان يتجنّب التعقيد ومستكره الألفاظ ووحشيّ الكلام . . . . ولأن أبا تمّام شديد التكلّف صاحب صنعة ومستكره الألفاظ والمعاني « 1 » ، وشعره لا يشبه شعر الأوائل ولا ( هو ) على طريقتهم لما فيه من الاستعارات البعيدة والمعاني المولّدة . . . . ولست أحبّ أن أطلق القول في أيّهما أشعر عندي لتباين الناس في العلم واختلاف مذاهبهم في الشعر . . . . فان كنت - أدام اللّه سلامتك - ممن يفضّل سهل الكلام وقريبه ويؤثر صحّة السبك وحسن العبارة وحلو اللفظ وكثرة الماء والرونق فالبحتريّ أشعر عندك ضرورة . وإن كنت تميل إلى الصنعة والمعاني الغامضة التي تستخرج بالغوص والفكرة ثم لا تلوي على غير ذلك فأبو تمّام عندك أشعر لا محالة . فأمّا أنا فلست أفصح بتفضيل أحدهما على الآخر ، ولكنّي أقارن بين قصيدتين من شعرهما إذا ( اتفقتا ) في الوزن والقافية وإعراب القافية ، وبين معنى ومعنى ، فأقول

--> ( 1 ) المستكره : الشيء الذي يؤتى به كرها أو اقتدارا ( على غير المجرى الطبيعي العادي المألوف ) .