عمر فروخ
52
تاريخ الأدب العربي
أبو جعفر المنصور إلى سفيان بن معاوية بن يزيد بن المهلّب والي البصرة ( 139 - 145 ه ) بقتله ، قيل لأنه كان على الزّندقة ، وقيل بل أراد المنصور أن يستدرج عمّه عبد اللّه بن عليّ ، وكان قد ثار عليه سنة 137 ه ، فعهد إلى ابن المقفّع أن يكتب اليه رسالة يؤمّنه فيها ( أمانا ظاهرا ) . ولكنّ ابن المقفّع بالغ في التأكيد والصراحة حتّى لم يدع مجالا لتأوّل شيء ، إذ قال ( على لسان المنصور ) : « وإن أنّا نلت عبد اللّه بن علي أو أحدا ممن أقدمه معه بصغير من المكروه أو كبير . . . سرا أو علانية . . . فأنا نفيّ من محمد بن علي بن عبد اللّه . . . وقد حلّ لجميع أمة محمّد خلعي وحربي والبراءة مني » . وقيل بل ألّف ابن المقفع كتاب كليلة ودمنة تعريضا بالمنصور وتلميحا اليه . وكان مقتل عبد اللّه بن المقفّع في البصرة سنة 142 ه ( 759 م ) . 2 - [ خصائصه الفنّيّة ] كان ابن المقفّع شديد الذكاء ، عقله أكبر من علمه ، دقيق الملاحظة بارعا في معالجة الموضوعات المادية الحسّيّة والعقلية المجردة مع سعة في المعرفة واتّزان في الأحكام وإصابة في الرأي . وابن المقفّع بارع في البحث والتحليل وفي سرد القصص وضرب الأمثال . ثم إنه يأتي بالبحث وبالقصص والأمثال متداخلة في استطراد محكم : يبدأ قصة فإذا سار فيها شوطا انتقل إلى غيرها ، ثم ينتقل على هذا الشكل إلى ثالثة ثم إلى رابعة فخامسة في بعض الأحيان . ويكون البحث والتحليل والحكم موزّعة بين أقسام القصّة الواحدة وبين الأمثال المضروبة . فإذا استوفى ابن المقفّع مدى الفكرة التي يعالجها عاد فأتمّ القصة الأخيرة ثم التي قبلها فالتي قبلهما حتى يعود إلى القصة الأولى فيتمّها . وهكذا يحمل ابن المقفع القارئ العاديّ على قراءة البحث والتحليل وهو يحاول أن يتتبّع أقسام القصة والأمثال المضروبة . والألفاظ عند ابن المقفّع فصيحة إلّا إذا اضطرّ إلى استعمال ألفاظ فنّيّة مثل شبّه ( التبس ، اختلط ) ، مرية ( شكّ ، ريب ) ، خافر ( ناقض للعهد ) ، السباخ ( الأرض المهملة ) ، السرجين ( الزبل ) . والتركيب عنده صحيح سهل ، إلا أن جمله طويلة متعانقة مما يؤدّي أحيانا إلى شيء من الغموض في التعبير . وابن المقفع بارع في التصرّف بأحرف الجرّ