عمر فروخ

502

تاريخ الأدب العربي

ورجاء لمراجعتك وانعطافك ؛ فقد يغرب العقل ثم يئوب ، ويعزب اللّب ثم يثوب « 1 » ، ويذهب الحزم ثم يعود ، ويفسد العزم ثم يصلح ، ويضاع الرأي ثم يستدرك ، ويسكر المرء ثم يصحو ، ويكدر الماء ثم يصفو . وكلّ ضيقة إلى رخاء ، وكل غمرة إلى انجلاء . . . . وكتب إلى القاضي ابن خلّاد : وصل كتابك الذي وصلت جناحه بفنون صلاتك وتفقّدك ، وضروب برّك وتعهّدك « 2 » ؛ فارتحت لكل ما أوليت ، وابتهجت بجميع ما أهديت ، وأضفت إحسانك في كل فضل إلى نظائره التي وكلت بها ذكري ، ووقفت عليها شكري . وتأمّلت النظم فملكني العجب به ، وبهرني التعجّب منه . وقد رمت أن أجري على العادة في تشبيه بمستحسن من زهر جنيّ ، وحلل وحليّ ، وشذور الفرائد في نحور الخرائد « 3 » : كالعذارى غدون في الحلل البي * ض وقد رحن في الخطوط السود ! فلم أره لشيء عدلا ، ولا أرضى ما عددته له مثلا . واللّه يزيدك من فضله ولا يخليك من إحسانه ، ويلهمك من برّ إخوانك ما تتمّم به صنيعك لديهم ويربّ معه إحسانك إليهم « 4 » .

--> ( 1 ) المراجعة : أن يعاود الرجل التفكير في ما كان قد عزم عليه . غرب - عزب : غاب ، زال ، بعد . آب - ثاب : عاد ، رجع . الرخاء : السعة في العيش . الغمرة : الموجة العظيمة ، معظم الماء من البحر ( المصيبة تأتي فتغمر الناس : تصيبهم جميعا ) . انجلاء : انكشاف ، انقضاء ، زوال . ( 2 ) فنون - ضروب : أنواع . الصلات والتفقد ثم البر والتعهد : العطاء والاحسان ( الماديان والمعنويان ) . النظائر : الأمثال ( ما يماثل أو يشابه بعضه بعضا ) . أضفت احسانك في كل فضل إلى نظائره : أحسنت إلي الآن احسانا جديدا مثل الذي كنت قد أحسنته إلي من قبل ( فذكرت أنا الفضلين معا ) . وكلت بها ذكرى : جعلت دأبي أن أتذكرها دائما . وقفت عليها شكري : جعلت كل شكري لها ( لم أشكر غير على فضل إلي ) . ( 3 ) النظم : الشعر ، القصيدة . زهر جني : طري ( مقطوف حديثا ) . الحلل : الثياب الثمينة . الحلي : الزينة الثمينة من الذهب والجواهر . شذور الفرائد : عقود من الفرائد ( اللآلي الكبار ) تفصل فيها بين كل لؤلؤة ولؤلؤة شذرة ( قطعة صغيرة من الذهب ) . الجيد : أعلى الصدر . الخريدة : الفتاة البكر لم تمس بعد . ( 4 ) العدل ( بكسر العين ) : الند ( بكسر النون ) : المثيل والشبيه المكافئ . يلهمك من بر اخوانك - البر باخوانك : اصطناع المعروف إلى اخوانك . . . . رب يرب : زاد .