عمر فروخ

49

تاريخ الأدب العربي

وكفوف وكفّ . ولا يجوز عند البصريين أن نجمع كلّ كلمة من الكلمات التي ذكرت إلّا على ما سمعنا في جمعها عن العرب ؛ فلا يجوز أن نجمع « ناب » على نيبان ( قياسا على بيبان في جمع باب ) ، كما لا يجوز أن نجمع دفّ وصفّ على أدفّ وأصف ( قياسا على أكفّ ) . أما علماء الكوفة فقالوا : إن ذلك جائز ، فما دام الاسم دفّ موازيا في صيغته للاسم كفّ فيجوز أن نجمعه على أدفّ كما جمعنا كفّ على أكفّ ! وكان للبصريين رأي أشدّ خطرا من ذلك : كانوا يأخذون بالتواتر . إذا كثر سماع اللفظ كانت كثرة سماعه عندهم دليلا على صحّته : إن الجمع « أبواب » عندهم جمع صحيح يجوز لنا أن نستعمله في كلامنا . أما الجمع « أبوبة » فهو نادر أو شاذّ قد قبلناه من الأعرابي الذي قاله ، ولكننا لا نستعمله نحن في كلامنا ؛ فإذا استعمله أحد في نثر أو شعر عددنا ذلك « خطأ » منه . أما الكوفيون فاحترموا اللفظ الواصل إليهم من الأعراب سواء أسمع هذا اللفظ من الأعراب ألف مرّة أو سمع من أعرابيّ واحد مرّة واحدة ، ذلك لأن الأعراب - في رأي الكوفيين - يتكلّمون سليقة فلا يخطئون ، فنحن نقبل كلّ ما وصل إلينا عنهم على مستوى واحد من الصحة والأصالة . ثم يخطو الكوفيون خطوة أبعد فيعدون ذلك الذي سمع من أعرابي واحد مرّة واحدة أساسا للقياس عليه فيجيزون أن نقول أنيبة ( في جمع ناب ) وأجورة ( في جمع جار ) وأتوجة ( في جمع تاج ) . ويبدو أن لهذا الاختلاف في الرأي ، بين البصريين والكوفيين ، وجها من التعليل : كانت البصرة أقرب إلى البادية حقيقة ومجازا ، وكان الأعراب أكثر ورودا على البصرة ، وبالبصرة كان المربد الذي كان العرب يتوافدون إليه للبيع والشراء ولإنشاد الشعر وإلقاء الخطب : لقد كان مربد البصرة عكاظ العراق . من أجل ذلك كان علماء البصرة أكثر لقاء للبدو وأكثر أخذا عنهم . ثم إن الكوفة كانت أكثر إيغالا في العراق وأكثر سوادا ( أرضا مزروعة ) وأشدّ صلة بغير العرب ( بالآراميين والفرس ) فاعتاض العلماء الكوفيون عن سماع الأعراب بالاتّجاه نحو القياس المنطقي . على أن هذا لا يعني أن البصريين اكتفوا بالسماع ولم يلجئوا إلى القياس البتّة ، ولا أنّ علماء الكوفة لزموا القياس ولم يتزحزحوا عنه إلى قبول