عمر فروخ

489

تاريخ الأدب العربي

أجلّ الناس بعد أبيه خطرا . . . . فتابعا لديّ النعمة وواترا عليّ الإحسان حتّى أبديت ما كنت له كاتما ونشرت ما كنت له طاويا وبذلت ما كنت به ضنينا ومذلت « 1 » بما كنت عليه شحيحا . فأمللت هذا الكتاب من حفظي في الأخمسة بقرطبة ، وفي المسجد الجامع بالزهراء المباركة « 2 » . وأودعته فنونا من الأخبار وضروبا من الأشعار وأنواعا من الأمثال وغرائب من اللّغات « 3 » . على أني لم أذكر فيه بابا من اللغة إلا أشبعته ، ولا ضربا من الشعر الّا اخترته ، ولا فنّا من الخبر الّا انتخلته ، ولا نوعا من المعاني والمثل إلّا استجدته « 4 » . ثمّ انّي لم أخله من غريب القرآن « 5 » وحديث الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم . على أنّني أوردتّ فيه من الإبدال ما لم يورده أحد ، وفسّرت فيه من الاتباع « 6 » ما لم يفسّره بشر ليكون الكتاب الذي استنبطه إحسان الخليفة جامعا ، والديوان الذي ذكر فيه اسم الإمام كاملا . وأسأل اللّه عصمة من الزّيغ والأشر « 7 » ، وأعوذ به من العجب والبطر ، وأستهديه السبيل الأرشد والطريق الأقصد « 8 » .

--> ( 1 ) تابع النعمة عليه : والاها ، أنعم عليه مرة بعد مرة . واتر : تابع ، أعطى بين الحين والحين . حتى أبديت ( أظهرت ) ما كنت له كاتما . . . . : أي « كتاب الأمالي » . مذل الشيء : أفشاه ؛ مذل بالشيء : سمح للآخرين باستعماله . ( 2 ) أملل : أملى ( قرأ على الناس ) . الأخمسة : أيام الخميس . الزهراء : مدينة بناها عبد الرحمن الناصر قرب قرطبة ( عاصمة الأندلس ) . ( 3 ) غرائب اللغات : الألفاظ النادرة في اللغة . ( 4 ) انتخل الشيء : انتقاه ، تخيره . استجاد الشيء : اختاره من أجود الأشياء الحاضرة . لم أخله : لم أجعله خاليا . ( 5 ) غريب القرآن : الألفاظ الغريبة ( التي يجهلها عامة الناس وبعض خاصتهم ) . ( 6 ) الابدال اللغوي ( ص 449 ) : استعمال ألفاظ يقوم بعضها ( في المعنى مكان بعض ) ؛ وهو غير الابدال في النحو . الاتباع : المجيء بألفاظ يؤكد بعضها بعضا ( ولو لم يكن لعدد منها معنى ) ، نحو حسن بسن ، جوعا وثوعا ، الخ ( راجع ص 456 ) . ( 7 ) استنبطه : استخرجه ( من باطن ) الأرض ، كان سبب تأليفه ونشره . الإمام : الخليفة . الزيغ : الحيد عن الصواب . الأشر : البطر من العجب ( بضم العين ) بالنفس أو بما يملك الإنسان . ( 8 ) الأقصد : المستقيم ، المعتدل .