عمر فروخ

478

تاريخ الأدب العربي

مصادر الحكمة في شعره لما ورد المتنبّي بغداد تعاظم على أدبائها . واتّفق أن زاره أبو عليّ الحاتميّ فلم يحسن المتنبّي لقاءه ، فوضع الحاتميّ رسالة يعزو فيها نحو مائة من معاني المتنبّي في الحكمة إلى أرسطو « 1 » ؛ ذكر مثلا أن أرسطو قال : « من أفنى مدته في جمع المال خوف العدم فقد أدّى بنفسه إلى الفقر » ، ثم زعم أن المتنبّي سرق هذا المعنى فقال : ومن ينفق الساعات في جميع ماله * مخافة فقر فالذي فعل الفقر . ثم زعم أيضا أن أرسطو قال : « خوف وقوع المكروه قبل تناهي المدة خور في الطبع » ، فسرقه المتنبّي فقال : وإذا لم يكن من الموت بدّ * فمن العجز أن تكون جبانا ! لقد كان ذلك تحاملا من الحاتمي على المتنبّي وتمحّلا بعيدا في تطلّب الشبه بين ما قال أرسطو ، ان صح ذلك ، وبين ما قال المتنبي . غير أنّ هذا لا يعني أن المتنبي لم يقتبس بعض معانيه في الحكمة وغير الحكمة من أحد ، فإنّ كتب البلاغة والنقد والأدب مملوءة بمآخذ الشعراء وسرقات بعضهم من بعض . لحكمة المتنبّي مصادر أشهرها وأهمها أسفاره وتجاربه واحتكاكه بالناس . ثم إنه اطّلع على بعض الآراء في الكتب فأعجب بها وأخذها . ولعل المتنبّي قرأ في كتاب الحيوان للجاحظ « أن الجعل « 2 » متى دفنته في الورد سكنت حركته في رأي العين » فقال عن قصائده : بذي الغباوة من إنشادها ضرر * كما تضرّ رياح الورد بالجعل . ويبدو أيضا أنّ المتنبّي قرأ في كتاب كليلة ودمنة « إذا لقي الرجل عدوّه في المواطن التي يعلم فيها أنه هالك سواء أقاتل أم لم يقاتل ، كان حقيقا أن يقاتل عن نفسه حفاظا وكرما » ، فقال وأحسن في الإيجاز وفي التعبير :

--> ( 1 ) راجع ترجمة الحاتمي ( ت 388 ه ) . وأرسطو أو أرسطوطاليس فيلسوف يوناني ( ت 322 ق . م . ) . ( 2 ) الجعل : دويبة صغيرة سوداء كريهة المنظر والرائحة ( خنفساء ) .