عمر فروخ
467
تاريخ الأدب العربي
وللمتنبّي فخر كثير فيه مبالغة وتعاظم واحتقار لبني دهره ، قال يمدح سيف الدولة ويعاتبه : واحرّ قلباه ممن قلبه شبم * ومن بجسمي وحالي عنده سقم « 1 » . ما لي أكتّم حبّا قد برى جسدي ، * وتدّعي حبّ سيف الدولة الأمم . ان كان يجمعنا حبّ لغرّته * فليت أنّا بقدر الحبّ نقتسم . يا أعدل الناس إلّا في معاملتي ، * فيك الخصام وأنت الخصم والحكم . أعيذها نظرات منك صادقة * أن تحسب الشحم في من شحمه ورم . وما انتفاع أخي الدنيا بناظره * إذا استوت عنده الأنوار والظلم ؟ سيعلم الجمع ممّن ضمّ مجلسنا * بأنني خير من تسعى به قدم . أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبي * وأسمعت كلماتي من به صمم . أنام ملء جفوني عن شواردها * ويسهر الخلق جرّاها ويختصم « 2 » . وجاهل مدّه في جهله ضحكي * حتى أتته يد فرّاسة وفم « 3 » . إذا رأيت نيوب الليث بارزة * فلا تظنّنّ أنّ الليث يبتسم . الخيل والليل والبيداء تعرفني * والسيف والرمح والقرطاس والقلم . يا من يعزّ علينا أن نفارقهم ، * وجداننا كلّ شيء بعدكم عدم . إن كان سرّكم ما قال حاسدنا * فما لجرح إذا أرضاكم ألم . كم تطلبون لنا عيبا فيعجزكم ! * ويكره اللّه ما تأتون والكرم . ما أبعد العيب والنقصان من شرفي ! * أنا الثريّا وذان الشيب والهرم « 4 » . ليت الغمام الذي عندي صواعقه * يزيلهنّ إلى من عنده الديم « 5 » . إذا ترحّلت عن قوم وقد قدروا * ألّا تفارقهم فالراحلون هم . شرّ البلاد مكان لا صديق به ، * وشرّ ما يكسب الإنسان ما يصم « 6 » .
--> ( 1 ) شبم : بارد ، مطمئن . ( 2 ) - أنظم الشعر بسهولة والناس يسهرون الليالي في محاولة فهمه والمجادلة في معانيه . ( 3 ) فراسة : مفترسة ، شديدة الافتراس . ( 4 ) أنا لا آتي ما يعيب الإنسان أو يحط من قدره طبعا وخليقة ، كما أن الثريا لا تشيب ولا تهرم . ( 5 ) سيف الدولة يهددني ويحسن إلى غيري . فليته يهدد الذين يحسن إليهم . ( 6 ) يصم : يعيب . شر مكاسب الإنسان ما كانت مصادرها غير شريفة .