عمر فروخ

462

تاريخ الأدب العربي

وقيل بل إنّ ابن خالويه ( وكان من قبل معلّما لسيف الدولة ولنفر آخرين من بني حمدان ) حذف المتنبّي بمفتاح كان يحمله . فغضب المتنبّي وغادر حلب ، سنة 346 ه ( 957 م ) . هذا الدور عند المتنبّي هو دور العظمة ، فيه تتجلّى عظمة نفسه وبعد همّته واندفاعه في تصوير عظمة العرب وعظمة الإسلام . وقد برع المتنبّي في وصف المعارك لأنه كان فارسا شجاعا عالما بأمور الجيوش عارفا بأساليب القتال ، ولأنه خاض المعارك فعلا وأبلى فيها بلاء حسنا . وفي هذا الدور هجر المتنبّي التكلّف وجرى في شعره على السليقة ، فأخذ شعره يتدفّق حماسة وفخرا . ذهابه إلى كافور ( الدور الثالث من حياته ) ذهب المتنبّي إلى مصر ليمدح كافورا الإخشيديّ المستبد يومذاك بحكم مصر ، وهو يرجو أن ينال من كافور إمارة أو ولاية يغيظ بها الذين كادوا له في حلب وأخرجوه منها - ظنّا منه أن كافورا المغتصب للسلطان يهون عليه أن يتنازل عن قطعة أرض بأيسر مما يتنازل عنها أمير أصيل استولى عليها بسيفه كسيف الدولة . ولم يخدع كافور عن قطعة من ملكه فانقلب عليه المتنبّي . وأدرك كافور ذلك فضرب حول المتنبّي نطاقا من الرّقابة حتى لا يهرب ويعلن أهاجيه ، بعد أن كان المتنبي قد بدأ يعرّض بكافور جهرا أو يهجوه سرا . وأعدّ المتنبّي عدّته للهرب ، ثم انتهز فرصة اشتغال الناس ليلة عيد الأضحى من سنة 350 ه ( كانون الثاني 962 م ) فانسل من مصر آئبا إلى المشرق . في هذا الدور بلغ شعر المتنبّي غاية نضجه وكثرت فيه الحكم والأمثال المضروبة ، كما خلا من التعقيد والتكلّف . ثم ارعوى المتنبّي فترك التهوّر واعتدل في طموحه وأخذ ينظر إلى الأمور بعين العقل بعد أن صدمته الحياة في حلب وفي مصر صدمات متوالية . فليس من المستغرب ، إذن ، أن تظهر الشكوى في شعره وأن يعرّض هو بسيف الدولة من غير أن تسمح له نفسه بهجائه . ولكن لما عظمت نقمته على كافور وهجاه قال في آخر قصيدته :