عمر فروخ

461

تاريخ الأدب العربي

المتنبّي وبين سيف الدولة . وضاق صدر سيف الدولة بمن معه : إذ كانوا يتنازعون في الألفاظ والإعراب والأشعار ويطلبون العطاء لينفقه معظمهم على الغزل والخمر ، بينما الروم يهاجمون البلاد وهو عاجز عن قتالهم إلا قليلا . وفي سنة 345 ه دخل الروم ميّافارقين ( بلد سيف الدولة ) فهدموها وأحرقوها وقتلوا من قتلوا من أهلها وسبوا من سبوا ثم عادوا عنها بعد أن نهبوا الأموال . ثمّ وقعت الحرب بين معزّ الدولة بن بويه ( أمير الأمراء في بغداد والمتسلّط على الخلافة ) وبين ناصر الدولة صاحب الموصل ( وهو أخو سيف الدولة ) ، منذ سنة 345 ه ( 956 م ) . وظلّت الحرب بينهما سجالا حينا ثم انهزم ناصر الدولة ولجأ إلى أخيه سيف الدولة في حلب . وعزم معزّ الدولة على المسير إلى حلب ، ولكنّ سيف الدولة راسل معزّ الدولة في طلب الصلح ، فأبى معزّ الدولة تضمين ناصر الدولة ولاية الموصل من جديد ، لأن ناصر الدولة كان كثير الإخلاف بما يعد . فضمن سيف الدولة لمعزّ الدولة عن أخيه ناصر الدولة 000 ، 900 ، 2 درهم ( نحو مائة وعشرين ألف ليرة ذهبا بعملتنا الحاضرة ) في العام ، وأن يطلق سراح الأسرى من رجال معزّ الدولة ؛ وكان ذلك في المحرّم من سنة 348 ه ( ربيع عام 959 م ) . والذي حمل معزّ الدولة على قبول عرض سيف الدولة ، مع أنه كان متمكّنا من البلاد قادرا على أن ينال ما يريد بالحرب ، أن الأموال قلّت في يديه ، إذ « تقاعد الناس في حمل الخراج ( دفع الضرائب ) واحتجّوا بأنهم لا يصلون إلى غلّاتهم وطلبوا حمايتهم من العرب ( الأعراب ، البدو ) من أصحاب ناصر الدولة » . فلمّا وردته رسالة سيف الدولة في طلب الصلح ودفع ثلاثة ملايين درهم ، عدّ ذلك ظفرا كبيرا إذ كفاه مؤونة حرب جديدة فعاد إلى بغداد ( راجع تاريخ الكامل 8 : 185 وما بعدها ) . في مثل هذه الحال كان سيف الدولة يضطرّ إلى أن يستمع إلى الشعراء في بلاطه يتناقشون في شعر للمتنبّي : يزعمون مرّة أن المتنبّي سرق معناه من شاعر سبقه ؛ ويقولون للمتنبي مرة أخرى : أسأت التشبيه الفلانيّ أو أتيت بوجه ضعيف من الإعراب . فيقال إنّ سيف الدولة حذف المتنبّي ، والمتنبّي ينشد شعره ويردّ على المنتقدين ، بدواة كانت بين يديه فأصابه بجرح في وجهه .