عمر فروخ

460

تاريخ الأدب العربي

وتركك في الدنيا دويّا كأنما * تداول سمع المرء أنمله العشر « 1 » ! ومن خصائص المتنبّي في هذا الدور الغموض في المعاني والتعقيد في التراكيب وتكلّف الاستعارات والكنايات والتصنيع : اتصاله بسيف الدولة ( الدور الثاني من حياته ) واتفق أن كان المتنبي في أنطاكية سنة ، 337 ه ( 948 م ) ، يمدح واليها أبا العشائر الحمداني ، لما قدم إليها سيف الدولة . « فعرّف أبو العشائر سيف الدولة مقام المتنبّي وشاعريته وفروسيته » . وكان سيف الدولة أديبا محبّا للأدب قد جمع في بلاطه من الأدباء والشعراء والعلماء ما لم يجتمع مثله إلا في بلاط هارون الرشيد . فعرض سيف الدولة على المتنبّي أن يصحبه إلى حلب ؛ فاشترط المتنبّي على سيف الدولة ألّا ينشده إلّا جالسا وألا يقبّل الأرض بين يديه وأن يضمن له سيف الدولة ثلاثة آلاف دينار في العام على ثلاث قصائد سوى ما يعنّ له . وعظم مقام المتنبّي في بلاط سيف الدولة ، في الشعر والحرب ، كما عظم ميل سيف الدولة إليه . ولعلّ سيف الدولة أدرك الطموح في نفس المتنبّي إلى السلطان والحكم فأقطعه قرية قرب حلب اسمها سبعين ( القاموس 3 : 36 ؛ تاج 5 : 373 ) . ولكنّ قرية سبعين لم تطفئ غلّة المتنبّي إلى الإمارة - إلّا أنّ تلك الغلّة لم تكن بعد قد اشتدّت ، فانّ المتنبي كان لا يزال يشعر بشيء من الاطمئنان الروحيّ والرضا النفسي من الناحية العملية على الأقلّ إذ كان يذهب في الغزوات مع سيف الدولة مقدّما على الجنود والقوّاد . غير أن ذلك كلّه كان يؤجّج حسد رفاق المتنبّي في بلاط سيف الدولة : لقد كان المتنبّي - بالإضافة إلى الحظوة العظيمة لدى سيف الدولة - ينال من سيف الدولة على القصيدة الواحدة ألف دينار ، بينما كان في البلاط مائة شاعر لا ينالهم كلّهم مثل هذا المبلغ . فما زال هؤلاء يوقعون بين

--> ( 1 ) دويا : صوتا ، ضجة ، شهرة . تداول سمع المرء انمله ( بتثليث الميم والهمزة - وهكذا تصح قراءتها على عشرة وجوه ) العشر : ازداد سماع الناس بشهرته حتى لكأنهم يسمعون بعشر أصابع مكان سماعهم بأذنين .