عمر فروخ

458

تاريخ الأدب العربي

نسبه شيئا آخر إلّا أنه كان يفتخر ، فيما بعد ، بشرف قومه وشجاعتهم وبأسهم وبقوم جدّته لأمّه خاصّة . وكان أبوه الحسين دقيق الأطراف ، فيما يبدو ، فقد جاء في القاموس « 1 » : « وعيدان السقاء بالكسر ( بكسر السين ) لقب والد أحمد بن الحسين المتنبئ » . نشأ أبو الطيب في الكوفة وتلقّى فيها جانبا من العلوم ثم غادرها ، مع أبيه في الأغلب ، سنة 325 ه ( 937 م ) ، أو قبيل ذلك في الأصحّ . ويذكر بعضهم أنّ أبا الطيّب وأباه غادرا الكوفة لمّا انكشفت لهما صلة بالقرامطة « 2 » . ومع أن حال القرامطة كانت في ذلك الحين شديدة الاضطراب ، فإنّنا لا نستطيع أن نجزم بشيء لم يذكره التاريخ ولا أشار إليه أبو الطيّب نفسه من قريب ولا من بعيد . على أن في ديوان المتنبّي أن أبا الطيّب تطوّف مدّة في الشام يتلقّى شيئا من العلم في بعلبكّ وطرابلس واللاذقيّة - وقد كانت هذه المدن في ذلك الحين مراكز للعلم وللتعليم . ويغلب على ظنّنا أن أبا الطيّب لم يكن فقيرا ، ولكنّ أباه توفّي وشيكا في الشام ثم احتاج أبو الطيّب إلى المال ولم يستطع التكسّب بشعره في ذلك الطور الباكر من حياته ، فطمح إلى شيء من النفوذ لنيل ولاية وتحصيل عيش رغد فأثار في نواحي حمص فتنة بين الأعراب ودعاهم إلى الامتناع عن دفع الضرائب - وليس أحبّ إلى البدو من مثل هذه الدعوة - : فأخذه لؤلؤ والي حمص من قبل الإخشديّين واتّهمه بالتنبّؤ ثم سجنه مدّة ؛ فلزمه منذ ذلك الحين لقب المتنبّي . وكان أبو الطيّب يكره هذا اللقب ( وقيل في أصل هذا اللقب قولان آخران ) . على أن لاتّهام أبي الطيّب بالتنبّؤ سندا ظاهرا ، هو أنّ أبا الطيّب لمّا أراد استمالة البدو في بادية حمص كان يزجر لهم المطر « 3 » أو يتنسّم لهم الأخبار

--> ( 1 ) القاموس المحيط للفيروزآبادي 1 : 320 ، السطر الأول ؛ راجع تاج العروس 2 : 440 . ( 2 ) القرامطة جماعة قاموا بدعوة علوية متطرفة في البحرين ( شرقي شبه جزيرة العرب ) وقاوموا الخلافة العباسية وأعملوا القتل في أهل السنة . ( 3 ) زجر المطر : التعرف إلى ظواهر علوية ( بضم العين ) في أحوال الجو تدل على اقتراب سقوط المطر كاحمرار الأفق الغربي في المساء والإحساس بزيادة الرطوبة في الهواء ( وذلك محتاج بالطبع إلى شيء من الحس المرهف ومن الاختبار ) .