عمر فروخ
443
تاريخ الأدب العربي
منها يستثيره حسن الرواية ويهدي إليه صالح التوفيق . . . . وقد كتبت لك في هذه الرسالة أخبارا - في المكافأة على الحسن والقبيح تنعم ( تنعّم ) الخاطر وتقرّب بغية الراغب - ممّا سمعناه ممّن تقدّمنا وشاهدناه بعصرنا ، وباللّه التوفيق . - من المكافأة على القبيح : إنّ أحمد بن طولون « 1 » كان مذعورا من خروج أبي عبد الرحمن العمري « 2 » ، فوافاه الخبر بقتل غلمان أبي عبد الرحمن إيّاه وانتشار أمره « 3 » . ثم صار إليه جماعة تقارب العشرة ، ومعهم رأس ، فقالوا : « نحن غلمان العمريّ ، وهذا رأسه ! » فجمع ( أحمد بن طولون ) الخاصّ والعامّ وأدخلهم إليه ، واستحضر قوما استأمنهم إليه وسألهم ، فأجمعوا على أنه رأس أبي عبد الرحمن وأنّ الغلمان من خاصّته . فقال أحمد بن طولون لهم : هل كان ( العمري ) مسيئا إليكم ؟ قالوا : لا ، واللّه ، فلقد كان محسنا إلينا ومفضلا علينا ! قال : فما حملكم على قتله ؟ قالوا : طلبنا الحظوة عندك والمكانة منك ! فقال ( أحمد بن طولون ) : قتلتم مولاكم المحسن إليكم بالتطرّب إلى المزيد « 4 » ؟ ثمّ أمر بهم فشقّ عن جماعتهم وأخذتهم السياط حتّى سقطوا ، ( ثم ) ضربوا على رؤوسهم بالشّدوخ حتّى ماتوا جميعا . وأمر بدفن رأس عبد الرحمن .
--> ( 1 ) أحمد بن طولون ولاه المأمون على مصر سنة 254 ه ( 868 م ) ثم استبد بأمر مصر سنة 266 ه ، وتوفي سنة 270 ه ( 884 م ) فخلفه خمارويه ثم جيش ( 282 ه ) ثم هارون ( 283 ه ) ثم شيبان في 18 صفر 292 ه ( آخر 904 م ) . وبعد أحد عشر يوما ( 905 م ) استولى محمد بن سليمان العباسي على مصر . وقد كان أحمد ابن طولون قاسيا عنيفا في معاملة أنصار العباسيين كما كان محمد بن سليمان شديد القسوة في معاملة الطولونيين وأتباعهم . ( 2 ) كان أبو عبد الرحمن سوار العمري من نسل عمر بن الخطاب يسكن ، في أيام أحمد بن طولون في صعيد مصر ، فخرج ( ثار ) عليه . ( 3 ) انتشر أمره : تفرق ، اضطرب ، تفرق أتباعه ثم لم يقم فيهم رئيسا يجمعهم . ( 4 ) التطرب إلى المزيد : الفرح بأن يزدادوا خيرا فوق ما كان لهم من قبل .