عمر فروخ

412

تاريخ الأدب العربي

ظاهر إلى التضمين والاقتباس من القرآن الكريم والحديث الشريف ومن الأمثال والأشعار والأقوال ، ممّا يدلّ على مقدرة لغوية وبراعة أدبية وإحاطة بعدد من وجوه المعرفة . من هذه الناحية تبدو لنا الرسائل الإخوانيّات وكأنّها مقدّمة ممهّدة للمقامات ! واتّسع فنّ القصص في هذا العصر في أغراض مختلفة وعلى أساليب متنوّعة ، فكان منه القصص الفنّي البارع يقصد به المثقّفون تحيّلا على النقد الاجتماعي والنصح أو إبرازا لخصائص أدبية ومقدرة شخصية أو كشفا عن جانب من جوانب الفكر في معالجة القضايا العامّة ، كما كان منه الحكاية العاديّة لتسلية جمهور الناس . وربّما جاءت القصص والحكايات قائمة بنفسها مقصودة بالسرد ، كما نرى في أحاديث ابن دريد مثلا ؛ وربّما جاءت للترويح عن القارئ في ثنايا البحوث الأدبية أو العلمية استطرادا بين الفينة والفينة على غير نسق مخصوص ، كما نجد في كتاب الأغاني للأصفهاني ؛ ولا ريب في أن أشياء من سيرة عنترة ومن قصص ألف ليلة وليلة كانت قد وجدت طريقها ، في ذلك الحين ، إلى المجالس في المجتمع العربي . ولقد كان هذا الاستطراد عامّا عند الكتّاب والمؤلّفين حتّى أنّه أفقد التأليف وحدته المنطقية فأصبح كثير من الكتب مجاميع شخصية وأقوالا متراكمة يذكر القول فيها في مكان ثمّ يخرج عنه إلى غيره قبل الاستيفاء ثمّ يعود إليه الكاتب مرّة بعد مرّة . والمقامات جمع مقامة ؛ والمقامة هي المجلس . والمقصود بالمقامة في الأدب « قصّة تدور حوادثها في مجلس واحد » . المقامة قصّة وجيزة أو حكاية قصيرة مبنية على الكدية ( الاستعطاء ) وعناصرها ثلاثة : ( 1 ) راوية ينقلها عن مجلس تحدث فيه . ( 2 ) مكد ( بطل ) تدور القصة حوله وتنتهي بانتصاره في كل مرة . ( 3 ) ملحة ( نكتة ، عقدة ) تحاك حولها المقامة ؛ وقد تكون هذه الملحة بعيدة عن الاخلاق الكريمة وأحيانا تكون غثّة أو سمحة . وتبنى المقامة على الإغراق في الصناعة اللفظية خاصة والصناعة المعنوية عامة .