عمر فروخ

408

تاريخ الأدب العربي

بفصل الخطاب « أما بعد » ليبدأ بسط الغرض من الرسالة بعد الافتتاح بالتحميد . أما في القرن الرابع فخالف كتّاب الرسائل هذه السّنّة وتحرّروا من المطلع المفروض فكان كاتب الرسائل يبدأ كما يبدو له في حينه . ففي رسائل أبي بكر الخوارزميّ مثلا : كتابي - وأنا بين محنة قد أدبرت ونعمة قد أقبلت ، ووليّ قد ملك وعدوّ قد هلك . والحمد للّه الذي ابتلى ثمّ أبلى « 1 » فأنعم . وصلّى اللّه على سيّدنا محمّد وعلى آله الأكرمين . ورقّ أسلوب الشعر ولان وأريد منه أن يكون عذبا سهلا قريبا من فهم الرجل العاديّ ، مع الطرافة والظرافة ، كقول أبي بكر الخوارزمي يعرّض بخلفاء بني العبّاس الذين لم يجدوا في خزائنهم مالا ينعمون به على المستحقّين فجعلوا يمنحون الناس ألقابا ( لا قيمة لها ) : ما لي رأيت بني العبّاس قد فتحوا * من الكنى ومن الألقاب أبوابا ؟ قلّ الدراهم في كفّي خليفتنا * هذا فأنفق في الأقوام ألقابا ! على أن الجانب الأكبر من الشعر ظلّ على الأسلوب الرصين المتين القريب من نفحة الجاهلية وخشونة البداوة وخصوصا في بلاطات الأمراء وفي مديح الكبراء وفي الأغراض المألوفة ، كما نرى في شعر المتنبّي والشريف الرضيّ والمعرّي . ( ب ) الخصائص المعنوية : لا نكر في أن الأدب يتأثّر بالبيئة التي يقال فيها . وقد تأثّر الأدب في القرن الرابع الهجري بتعدّد أوجه المجتمع وبتشجيع الملوك والأمراء في بلاطات المقاطعات ، كما تأثّر بنفوذ البويهيين السياسيّ والاجتماعي وبالتشيّع الذي كان مستطيلا في ذلك العصر . إن بلاط سيف الدولة في حلب وبلاط كافور الإخشيدي في الفسطاط ( مصر القديمة ) وبلاطات البويهيّين في شيراز وأرجان قد كانت ميدانا فسيحا لازدهار الأدب . عظم التمدّح بالفرس والفارسيّة تزلّفا واعتقادا : بالأصل الفارسي ،

--> ( 1 ) أبلى ( هنا ) معناها : أنقذ من البلاء ، شفى من المرض أو كشف المصيبة عن الإنسان .