عمر فروخ
406
تاريخ الأدب العربي
وكثرت الأجناس والجماعات في هذا العصر وخصوصا في العراق . وليس معنى ذلك أن هذه الأجناس لم تكن موجودة من قبل ، ولكنّ معناه أن هذه الأجناس والجماعات أخذت تتكتّل وتتراصّ وتنازع غيرها : كانت هذه الجماعات من العرب والكرد والفرس والترك والزنج والآراميين والروم . وتبدّى خطر هذه الجماعات في اختلافها في المذاهب والآراء وفي تنازعها على ذلك الاختلاف ، وخصوصا بعد أن ضعفت سلطة الخلافة المسلمة السّنّيّة وعمل بنو بويه على تشجيع الحركات المناهضة لأهل السنّة والجماعة ظاهرا وباطنا . وكثيرا ما قاد هذا النزاع إلى فتن وقتال في الشوارع بين السنّة والشيعة أو بين أتباع المذاهب السنّيّة أنفسهم . وإلى جانب هذا النزاع المذهبيّ كان ثمّت نزاع فكريّ - وان لم يخرج إلى قتال ظاهر - بين المسلمين وبين النصارى والمجوس والبوذيّين ، وكان هؤلاء يريدون أن يحاربوا السلطة السياسية في الإسلام من طريق الحركات والاتّجاهات الفكرية المخالفة للإسلام . ونحن لا نستطيع أن نشير إلى هذه الحركات على سبيل الحصر لأنها كانت في الأكثر حركات باطنية ( سرّيّة ) ولأنّها في الدرجة الأولى لم تنجح في ما كانت ترمي إليه . حتّى الحركة الفاطمية ( وهي حركة شيعية متطرّفة كانت قد أنشأت دولة استطالت في المغرب وفي مصر ثمّ نالت عطف بني بويه الحاكمين في بغداد نفسها ) لم تستطع أن تزيل الخلافة العبّاسيّة مع كثرة سعيها إلى ذلك . وشهد القرن الهجريّ الرابع حضارة مزدهرة وترفا بالغا في المطعم والملبس والمسكن ، فقد غلب طراز الحياة الفارسي على هذا العصر غلبة ظاهرة عامّة شاملة وأصبحت الأعياد الفارسية كالنيروز ( رأس السنة الفارسية : 21 مارس - آذار ) والمهرجان ( في أول الخريف ) أعيادا للعامّة والخاصّة من الفرس وغير الفرس . وأسرف الفاطميون خاصة في إقامة المآدب للعامّة . وكذلك اتّسع اللهو وتعدّدت أنواعه وخرج في كثير من وجوهه إلى الاستهتار والمجون . على أن المفكّرين والأدباء قد هوّلوا كثيرا في وصف ذلك اللهو ومدى انتشاره . إن أحوال اللهو عامّة موجودة في كلّ زمان ومكان ، ولكنّها تستسرّ في عصور القوّة السياسية ثمّ تظهر وتشتهر في عصور الضعف