عمر فروخ

37

تاريخ الأدب العربي

التطور الاجتماعي في العصر العباسي إن البيئة العربية لم تنقلب فجأة ، بل بدأ التبدل فيها منذ خرجت جيوش الفتح إلى أقطار العالم في الشرق والغرب ، ومنذ أخذ الاسلام يسود بين غير العرب ، ومنذ شرع البدو يتخلّون عن سكنى البادية وينزلون الحواضر ، ومنذ شغف الفاتحون العرب الساميّون بالجمال الآري فتزوجوا الفارسيات والتركيات والروميات . إلا أن هذا التبدّل التدريجي كان قد بلغ مع قيام الدولة العباسية مبلغا لفت الانظار وغطى على خصائص الشعر البدوي الأولى . 1 - وقد نتج من ذلك احتكاك العرب بغيرهم من الأمم واقتباسهم أمورا كثيرة من أوجه الحضارة المادية ومن أساليب التفكير . ثم إن المواليّ ( المسلمين من غير العرب ) الأولين احتفظوا بكثير من أساليب تفكيرهم ومن عاداتهم في الجدال خاصة ، وأخذوا يتساءلون عن كثير مما في الإسلام من فروض وأحكام وعقائد - بعد الموازنة بينها وبين ما عرفوا في أديانهم القديمة - كالتفريق بين ذات اللّه وصفاته ، والبحث في شأن الجنة والنار وفي أعمال الانسان ، وهل هو مخيّر يأتي أعماله حرّا مختارا أم مسيّر مجبر على أعماله . وهكذا نشأت منذ أواسط العصر الأموي حركة الاعتزال ثم اتسعت في العصر العباسي اتساعا كبيرا . والاعتزال حركة فكرية تقوم على أن العقل وحده حكم في جميع الأمور حتى في العقائد . ولم يضق صدر الإسلام بهذه الحركة ، لأنها حركة أصيلة فيه ، ولكنّ أهل الدولة حملوا الامر على ظاهره فكانوا إذا ضاقوا ذرعا بخصم سياسي ثم وجدوا عنده شيئا من حرية الفكر قالوا عنه إنه زنديق وأخذوه في الظاهر بهذه التهمة بينما هم كانوا في باطنهم ينقمون منه خصومته السياسية . 2 - وكان أبعد الأسباب أثرا في تبدل المجتمع الإسلامي الزواج بغير العربيات ، فقد تبدلت به الحياة البيتية في المطعم والملبس وآداب السلوك ، وفي نشوء جيل له عمومة عربية وخئولة فارسية أو رومية أو تركية . وبينما كان العرب الأولون خلّصا لا يرون للأمم على العرب فضلا في شيء ، أصبح الجيل المولّد الجديد يتعصب أيضا لخئولته ويرى أن العرب ليسوا أفضل من