عمر فروخ

361

تاريخ الأدب العربي

( 2 ) أعجب البحتريّ بالصورة الشعرية التي في بيت أستاذه أبي تمّام ، ولكنّه وجدها مزحومة جدّا ، واتّفق أنه أراد أن يمدح الخليفة المتوكّل عند خروجه إلى المسجد لإلقاء خطبة العيد والإمامة في الصلاة ، فقال يخاطب الخليفة المتوكّل مشيرا إلى أن المنبر في المسجد لم يبق في استطاعته أن ينتظر وصول الخليفة إلى المسجد فودّ أن لو كان باستطاعته هو أن يخرج للقائه ، فقال : فلو انّ مشتاقا تكلّف فوق ما * في وسعه لسعى إليك المنبر ! والذي أجمع عليه النقّاد القدماء أنّ في شعر أبي تمّام معاني وصورا شعرية مبتكرة لم يأت أحد بها من قبل ، وأنّ له أيضا أبياتا جيادا يقصّر عن مثلها جميع الشعراء . غير أن في قصائد أبي تمّام أيضا أبياتا رديئة أخرجها التكلّف عن مألوف الشعر ومألوف اللغة العربية كلّها فأصبحت تعدّ في معائب أبي تمّام . ولهذا قال النقّاد : إنّ شعر أبي تمّام متفاوت ( تجد فيه أبياتا جيادا من الطبقة العليا وأبياتا رديئة من درجة دنيا ثم أبياتا وسطا بين هذه وبين تلك . أما البحتريّ فشعره مستو ( يشبه بعضه بعضا ) وكلّ أبياته وسط في الجودة : ليس فيها الجياد الجياد من أمثال الأبيات الجياد في شعر أبي تمّام ، ولا فيها الأبيات الرديئة التي تلفى أحيانا عند أبي تمّام . ولقد أنصف الآمديّ لمّا قال ( في مطلع « الموازنة » ) : « . . . . إنّ شعر أبي تمّام لا يتعلّق بجيّده جيّد أمثاله ، ورديّه مطروح مرذول ؛ فلهذا كان مختلفا لا يتشابه . وانّ شعر البحتريّ صحيح السبك حسن الديباج وليس فيه سفساف ولا رديء مطروح ، ولهذا صار مستويا يشبه بعضه بعضا » . 3 - المختار من شعره - قدوم الربيع : أتاك الربيع الطلق يختال ضاحكا * من الحسن حتى كاد أن يتكلّما . وقد نبّه النوروز في غلس الدجى * أوائل ورد كنّ بالأمس نوّما « 1 » .

--> ( 1 ) النوروز أول الربيع ( أول السنة الفارسية ) . - كانت براعم الورد نائمة ( مطبقة ) ، ففي صباح النوروز بدت وقد أخذت تتفتح ( كأنها تستفيق من ليل الشتاء ) .