عمر فروخ
349
تاريخ الأدب العربي
عدوّك من صديقك مستفاد * فلا تستكثرنّ من الصحاب . فإنّ الداء أكثر ما تراه * يحول من الطعام أو الشراب . إذا انقلب الصديق غدا عدوّا * مبينا ، والأمور إلى انقلاب . ولو كان الكثير يطيب كانت * مصاحبة الكثير من الصواب . ولكن قلّما استكثرت إلّا * وقعت على ذئاب في ثياب . فدع عنك الكثير : فكم كثير * يعاف ، وكم قليل مستطاب ! وما اللجج الملاح بمرويات * وتلقى الرّيّ في النطف العذاب « 1 » . 3 - قصيدة مختارة : وحيد المغنيّة : هذه القصيدة تجمع كثيرا من خصائص ابن الرومي في الغزل والنسيب والوصف والتحليل ، فهي من أجل ذلك وجدانية خالصة . ثم هي تمثل ابن الرومي تمثيلا صحيحا وتعبّر عن نفسه وتكشف عن خيبته في مجالس الانس . كان ابن الرومي معجبا بوحيد وبغنائها ولم تكن هي تعبأ به : يا خليليّ ، تيّمتني وحيد ، * ففؤادي بها معنّى عميد « 2 » . غادة زانها من الغصن قدّ ، * ومن الظّبي مقلتان وجيد « 3 » . وزهاها ، من فرعها ومن الخدّ * ين ، ذاك السواد والتّوريد « 4 » . أوقد الحسن ناره في وحيد * فوق خدّ ما شانه تخديد « 5 » . فهي برد بخدّها وسلام ، * وهي للعاشقين جهد جهيد « 6 » ، لم تضر قطّ خدّها وهو ماء ، * وتذيب القلوب وهي حديد . ما لما تصطليه من وجنتيها * غير ترشاف ريقها تبريد « 7 » .
--> ( 1 ) اللجة : الماء الكثير . الملاح : المالحة . النطفة : الماء القليل . العذاب : الحلوة . ( 2 ) تيمتني وحيد : ذللتني بالحب . معنى : متعب ، حامل ما لا يطيق . العميد الذي هده العشق . ( 3 ) الغادة : المرأة الناعمة اللينة . القد : القوام . الجيد : العنق . ( 4 ) زهاها . . . : جعلها زاهية ناضرة جميلة ، أو متكبرة . الفرع : الشعر . السواد في الشعر والتوريد في الخد . ( 5 ) شانه : عابه . تخديد : تشقق . ( 6 ) برد وسلام : لا ضرر منه . جهد جهيد : تعب شديد . لعل الأصوب : في خدها . ( 7 ) الاصطلاء : التعرض لحر النار ( تصطلي أنت ) . ترشاف : رشف : أخذ الماء بالشفتين قليلا قليلا .