عمر فروخ

347

تاريخ الأدب العربي

- ان تطل لحية عليك وتعرض * فالمخالي معروفة للحمير . علّق اللّه في عذاريك مخلا * ة ولكنها بغير شعير « 1 » . لو غدا حكمها إليّ لطارت * في مهبّ الرياح كلّ مطير . لحية أهملت فسالت وفاضت * فإليها تشير كفّ المشير . - وصلعة لأبي حفص ممرّدة * كأنّ صفحتها مرآة فولاذ « 2 » . ترنّ تحت الأكفّ الواقعات بها * حتى ترنّ بها أكناف بغداذ . ليس في غزل ابن الرومي من البراعة سوى ما فيه من الوصف . أما نسيبه فرقيق عذب شديد الأثر في النفس بادي الصدق : أعانقها والنفس بعد مشوقة * إليها ، وهل بعد العناق تدان ؟ وألثم فاها كي تزول حرارتي * فيشتدّ ما ألقى من الهيمان « 3 » . وما كان مقدار الذي بي من الجوى * ليشفيه ما تلثم الشّفتان . كأنّ فؤادي ليس يشفي غليله * سوى أن يرى الرّوحين يمتزجان ! رثاء ابن الرومي قسمان : قسم قاله الشاعر في أهله ، وقسم قاله في غير أهله . فأمّا هذا الأخير ففيه تكلّف كثير وهو مجرد من العاطفة . وأما رثاؤه في أهله فشعر صحيح فيه عاطفة ولوعة ، وفي أثنائه تحليل بارع . وابن الرومي في رثائه هذا يحلّل ما يشعر هو به في ساعة الرزء وبعدها : ان رثاءه صورة صادقة لنفسه في الدرجة الأولى ثم للميت في الدرجة الثانية . والعجيب أن فن ابن الرومي يتغلب على عاطفته حتى في رثاء أولاده ، فإنك إذا قرأت مرثيته في ابنه الأوسط - وهي أجلّ مراثيه - رأيت العبقرية الفنية تطغى على عاطفة الأبوّة : بدأ بخطاب عينيه ثم وصف المرض الذي مات به ابنه . بعدئذ ذكر شعوره هو نحو الموت عموما ونحو ابنه : بكاؤكما يشفي وإن كان لا يجدي ، * فجودا فقد أودى نظيركما عندي « 4 » .

--> ( 1 ) العذاران : منبتا الشعر على جانبي الوجه . ( 2 ) ممردة : مبلطة . ( 3 ) الهيمان : الحب أو أشد الحب . ( 4 ) يجدى : يفيد . نظيركما : شبيهكما ، مثيلكما في القيمة .