عمر فروخ
346
تاريخ الأدب العربي
وإلّا ، فما يغزو امرؤ بخضابه : * أيطمع أن يخفي شباب مدلّس « 1 » ؟ وكيف بأن يخفي المشيب لخاضب * وكلّ ثلاث صبحه يتنفّس ؟ وهبه يواري شيبه ! أين ماؤه ، * وأين أديم للشبيبة أملس ؟ ومن أبيات ابن الرومي المشهورة في هذا الباب أبيات في الوطن هي : ولي وطن آليت ألّا أبيعه * وألا أرى غيري له الدهر مالكا . عهدت به شرخ الشباب ونعمة * كنعمة قوم أصبحوا في ظلالكا ، وحبّب أوطان الرجال إليهم * مآرب قضّاها الرجال هنالكا . إذا ذكروا أوطانهم ذكّرتهم * عهود الصبى فيها فحنّوا لذلكا . فانظر كيف يحلل ابن الرومي صلة الإنسان بوطنه وكيف يعلل هذا الارتباط برغم ما يمكن أن ينال الانسان في وطنه أحيانا من الأذى . انه لا يبيع وطنه مع أن قوما نالوا فيه نعمة لم ينلها هو . ابن الرومي من أقدر الهجّائين في تاريخ الأدب العربي . وكان الوصف والتحليل يغلبان على هجائه فيكسبانه صورا رائعة تحمل السامع على الهزؤ بالمهجوّ وتجعل الهجاء دائرا على الألسن . وابن الرومي يهجو بالعيوب الخلقية كالجبن والبخل والتقاعس ، ولكنّ ميزته البارزة كانت في تناول العيوب الخلقية ( الجسمية ) كالعرج والاحديداب والقبح وطول اللحية ، وفي حسن التهكّم بذلك . وهجاء ابن الرومي جيد سواء أكان في مقاطع قصار أو في قصائد طوال . قال يهجو عيسى بن منصور : يقتّر عيسى على نفسه ، * وليس بباق ولا خالد ، فلو يستطيع لتقتيره * تنفّس من منخر واحد ! ومن أهاجي ابن الرومي القصار والتي تنطوي على تصوير وتحليل وتهكم مؤلم أهاجيه التالية : قصرت أخادعه وطال قذالة * فكأنه متربّص أن يصفعا « 2 » . وكأنما صفعت قفاه مرّة * وأحسّ ثانية لها فتجمّعا .
--> ( 1 ) يغزو : يبلغ ، يستفيد ( ؟ ) . شباب مدلس : شباب زور . ( 2 ) قالها في رجل أحدب ؛ الاخادع عروق في جانبي العنق . القذال : مؤخر الرأس .