عمر فروخ

308

تاريخ الأدب العربي

الكتاب اعتمادا كبيرا على كتاب الحيوان للفيلسوف اليوناني أرسطوطاليس ، ( ت 322 ق . م . ) ، إلّا أنه كان ينتقد أرسطو في كثير من الأمور . وفي كتاب الحيوان استطراد كثير إلى ذكر القصص المتعلّقة بالحيوان وإلى شيء كثير من الشعر ومن أخبار الأدب والفلسفة ومن الكلام على الحياة الاجتماعية . ومع أنّ القصد الأول من وضع هذا الكتاب كان الإحاطة بعلم الحيوان ، فإنّ قيمته لنا اليوم إنّما هي في أخباره الأدبية والتاريخية التي كان الجاحظ قد استطرد إليها استطرادا . إنّ في كتاب الحيوان مثلا خمسين طرديّة ( قصيدة في وصف الصيد ) لأبي نواس . أما الأمور العلمية المتعلقة بالحيوان فليس لها اليوم قيمة علمية لأن علم الحيوان قد تقدّم كثيرا في الألف والمائة سنة التي تفصلنا عن الجاحظ . - كتاب البخلاء كتاب جمع فيه الجاحظ قصصا عن البخل والبخلاء ، وخصوصا البخل بالطعام . وأكثر هذه القصص واقعة ولكنّ الجاحظ ستر أسماء نفر من أصحابها . ويقصد الجاحظ أن يصوّر في هذا الكتاب طبائع الناس وخصوصا أولئك الذين يبخلون بشيء دون شيء أو يبخلون على أنفسهم خاصة ويتحملون كل مشقة في أجسامهم وفي أنفسهم في سبيل ادّخار المال ، كما يتساهلون في سبيل ذلك بكثير من مثلهم العليا . ثم إن الجاحظ يريد أن يصف جانبا من الحياة في العصر العبّاسي : حياة البخل في خضمّ من الترف ، وحياة أولئك الذين كانوا فقراء ثم أيسروا فجأة من طريق رواج تجارتهم أو صناعتهم أو ارتفاع أثمان أراضيهم بعد ذلك الانقلاب الاقتصادي الذي حدث في العراق في صدر العصر العباسي . وأسلوب الجاحظ في كتاب البخلاء حسّي ماديّ ، فهو يحرص على استعمال الكلمات التي تقرّب الصورة الحسيّة من الذهن ولو كانت قريبة من العامّيّة ، نحو « قوّر الرغيف » . وقلّما يذكر الجاحظ المغزى المقصود من القصّة التي يحكيها ، بل يترك ذلك للقارئ يستنتج ما يستطيع أن يتخيّل به القصّة واضحة أو البخل الذي تشير اليه مجسّما مبالغا فيه . وليس في كتاب البخلاء استطراد ، لأنّ موضوع الكتاب كلّه فكاهيّ . ألّف الجاحظ في أواخر عمره ، بعد تصنيف كتاب الحيوان ، كتابا سمّاه