عمر فروخ
260
تاريخ الأدب العربي
أمّ لهم ، لو رجوا أن تفتدى جعلوا * فداءها كلّ أمّ برّة وأب . وبرزة الوجه قد أعيت رياضتها * كسرى ، وصدّت صدودا عن أبي كرب « 1 » من عهد إسكندر ، أو قبل ذلك ، قد * شابت نواصي الليالي وهي لم تشب . بكر فما افترعتها كفّ حادثة ، * ولا ترقّت إليها همّة النوب « 2 » . حتى إذا مخض اللّه السنين لها ، * مخض البخيلة ، كانت زبدة الحقب « 3 » . أتتهم الكربة السوداء سادرة * منها ، وكان اسمها فرّاجة الكرب « 4 » . جرى لها الفأل برحا يوم أنقرة * إذ غودرت وحشة الساحات والرحب « 5 » . لما رأت أختها بالأمس قد خربت * كان الخراب لها أعدى من الجرب . كم بين حيطانها من فارس بطل * قاني الذوائب من آني دم سرب ! « 6 » بسنّة السيف والخطّيّ من دمه ، * لا سنّة الدين والإسلام ، مختضب « 7 » .
--> ( 1 ) البرزة : المرأة الجليلة تبرز للناس تحادثهم . شبه عمورية بالمرأة البرزة التي لم يستطع كسرى ( يقصد : ملوك الفرس ) ولا أبو كرب ( بن حسان ملك اليمن ؛ يقصد : ملوك اليمن ) على كثرة حروب الفرس واليمن وانتصارهم ، أن يسيطروا عليها ( وسيطر عليها العرب ) - لم يقدر على فتح عمورية لا الفرس ولا اليمن ( ولا غيرهم ) وفتحها العرب بسهولة . ( 2 ) بكر : عذراء . افترع الجارية : دخل بها . - ان الاحداث الكبرى لم تستطع أن تؤثر في عمورية ، والمصائب الشديدة لم تستطع الرقي إلى عمورية . ( 3 ) مخض اللبن : خضه حتى ينفصل الزبد منه . مخض البخيلة : أي بالغت في الخض حتى لم تدع في ماء اللبن شيئا من الزبدة . كانت زبدة الحقب : اجتمعت فيها ( في عمورية ) كنوز الدهور ( ثم جاء المسلمون فظفروا بتلك الكنوز كلها ) . والاستعارة في هذا البيت من اختراع أبي تمام . ( 4 ) سادرة : حائرة . و ( سادرة ) حال ، وصاحب الحال هنا ( عمورية ) . - المعنى : وعمورية حائرة متعجبة كيف استطاع المعتصم أن يفتحها . كان اسمها فراجة الكرب : كان الروم إذا خافوا خطرا من شيء احتموا بها لأنهم كانوا قد أعدوها لمثل ذلك ، فجاءهم الآن الخطر منها نفسها . ( 5 ) الفأل : الأمل الحسن . البرح : الشؤم والنحس . الساحة والرحبة ( بكسر الراء وسكون الحاء ، أو بفتح الراء والحاء ) : الأرض الواسعة المسكونة . وحشة الساحات والرحب : خالية ، مهجورة . يوم أنقرة : يوم معركة أنقرة وفتحها . غودرت : غادرها أهلها ، هجروها ، فروا منها . - لما سمع أهل عمورية بتخريب المعتصم لأنقرة أيقنوا أنه سيحل ببلدتهم ما حل بأنقرة فهربوا من بلدتهم . ( 6 ) قان : شديد الحمرة . آن : حار . سرب : سائل جار . كثرت فيها الفوارس القتلى من الروم ، وكثرت الدماء حتى بلت ذوائب الفرسان ( كان الفرسان يرخون ذوائبهم ) . ( 7 ) على أن هذا القتل الذريع في الروم لم يكن بالقانون الإسلامي ( لاختلاف الدين بين المتحاربين ) بل بالقانون الطبيعي : قانون السيف والرمح ( لأن الروم اعتدوا على بلد إسلامي ) .