عمر فروخ
129
تاريخ الأدب العربي
تابت بعد ذلك وحملها ندمها على ماضيها على أن تمعن في الزهد وترتجف من الخوف من اللّه . غير أن كثيرا من الأخبار المنسوبة إلى رابعة في هذا الباب من باب الاختراع والخرافة ، ثم إن هذه الأخبار تختلط بأخبار نفر آخرين من الزاهدين . والأقرب إلى الصواب أن تكون رابعة العدوية قد توفّيت في البصرة بين سنة 180 وسنة 185 ه ( 796 - 801 م ) . 2 - [ خصائصه الفنّيّة ] كانت رابعة العدوية ذات اتّجاه روحيّ منذ مطلع حياتها . ويبدو أن وقوعها في الرقّ وتكسّبها بعد ذلك من وجوه غير حلّ قد زادا في هذا الاتّجاه الروحيّ الذي كان لها ، فقضت باقي حياتها زاهدة متبتّلة لم تتزوج ولا ملكت من عرض الحياة الدنيا شيئا ، وكانت تقضي أيامها بالصيام ولياليها بالصلاة والتهجّد ثم تقضي أوقاتها كلّها بتذكّر الموت والتشوّق إلى اللّه . ولقد أغرمت بالذهاب إلى الحجّ سعيا على قدميها أو تقلّبا على جنبيها ، فيما رووا . ورابعة من الجيل الأول من المتصوّفة المسلمين وإليها ينسب مؤرّخو الصوفية البدء بالكلام على الحبّ الإلهي والتوسّع فيه . كانت رابعة شخصية تاريخية ، وكان لها بلا ريب أقوال نثرا ونظما ، إلّا أن كثيرا مما ينسب إليها من النثر والشعر منسوب لغيرها أو تظهر عليه آثار الصنعة والتكلّف مما يوحي بأنّ كثيرا من تلك الآثار من عمل الأعصر التالية لعصر رابعة . ذكر جماعة منهم أبو طالب المكّي والإمام الغزالي والسيّد المرتضى الزبيدي أن لرابعة العدوية أربعة أبيات هي : أحبّك حبّين : حبّ الهوى * وحبّا لأنّك أهل لذاكا . فأمّا الذي هو حبّ الهوى * فشغلي بذكرك عمّن سواكا ، وأما الذي أنت أهل له * فكشفك لي الحجب حتى أراكا . فما الحمد في ذا ولا ذاك لي ، * ولكن لك الحمد في ذا وذاكا . وجميع الذين كتبوا عن رابعة في التصوّف من المتأخرين إلى أيامنا يذكرون تلك الأبيات لرابعة . على أن صاحب الأغاني يذكر هذه الأبيات ( غ 15 : 289 ) لآدم بن عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز « 1 » ، وهو من مخضرمي
--> ( 1 ) راجع فوق ، ص 108 .