عمر فروخ

85

تاريخ الأدب العربي

الشاعر تلومه لأن رزقه قليل ، فيبدي هو لها عذره ويقول لها إنه يود ألا يطلب الغنى إذا كان في الغنى مذلة له . ذلك هو شكل القصيدة المألوف . ويبدو لنا أن الشعراء الذين كانوا يطمعون في الانشاد في عكاظ كي تعلّق قصائدهم إذا ظفرت برضا المحكّمين كانوا ينسجون قصائدهم على هذا المنوال الرسمي المألوف ، حتّى أصبح ذلك النسق المألوف في المعلّقات مرغوبا فيه وخصوصا عند الممدوحين فتعلّق به الشعراء المدّاحون ثم احتفل به النقاد حتى غلب هذا الشكل المألوف للقصيدة على الشعر ، ثم ظننّا نحن أنه لم يكن للعرب إلا ذلك النسق التقليدي . والواقع أن شعراء الجاهلية من غير أصحاب المعلّقات ومن غير المتعرّضين بشعرهم للمدح كانوا يسلكون في النظم مسلكا طليقا من القواعد التي سيطرت على المعلّقات والقصائد الشبيهة بالمعلّقات . حتى أن شعراء المعلقات أنفسهم كانوا يتحرّرون من تلك القواعد والقيود في معظم أشعارهم الباقية . وكان للعرب نوع من الشعر يسمّى الرجز « 1 » يصرّعون صدوره وأعجازه على رويّ واحد ، نحو : دع المطايا تنسم الجنوبا * إنّ لها لنبأ عجيبا ، ما حملت إلّا فتى كئيبا * يسرّ ممّا أعلنت نصيبا . . . وربّما كان لكلّ بيت في صدره وعجزه قافية مختلفة من قوافي الأبيات الأخرى في الأرجوزة . وربّما كانت القصيدة من بحر الرجز وكان لأبياتها روي واحد ، كما يفعل في القصائد . والرجز وزن من أوزان الشعر العربي الأصيلة ، وهو أقدم الأوزان العربية . ولقد أصاب بروكلمان « 2 » لمّا قال إنّه لا سبيل إلى الزعم بأن بحر الرجز نشأ عند العرب من تأثرهم باليونان ، وان كان ثمّت شبها شكليّا ظاهرا ( خارجيا ) بين بحر الرجز العربي وبين الوزن اليوناني المعروف باسم أيامبي والذي يتألف المصراع فيه من أوتاد ( والوتد لفظ مركّب من صوتين أحدهما قصير والآخر طويل نحو « علا » : ع . . . . لا ) .

--> ( 1 ) راجع العمدة 1 : 58 - 61 ؛ تاريخ آداب اللغة العربية لزيدان 1 : 65 - 67 ؛ بروكلمان 1 : 56 - 57 ، الملحق 1 : 22 - 24 ، 90 - 92 ؛ دائرة المعارف الاسلامية ( النسخة العربية ) ، تحت كلمة ؛ رجز . ( 2 ) بروكلمان ، الملحق 1 : 23 .