عمر فروخ

726

تاريخ الأدب العربي

منذ الجاهلية قبل أن يتّصل العرب بالفرس اتّصالا يطلعهم على الأساليب الأدبية في اللغة الفهلوية . ثم إنّ في القرآن الكريم نماذج كثارا من ذلك . وخطب العرب ورسائلهم قبل عبد الحميد كلّها ممهّدة إلى ذلك الإغراق والتكلّف اللذين قصد عبد الحميد اليهما في رسائله . في عام 1941 تقدّم محمّد محمّدي إلى الجامعة الأميركية في بيروت برسالة ( أطروحة ) لنيل درجة أستاذ في الأدب موضوعها : « النظم الإدارية الساسانية في دولة الخلفاء الراشدين وما ظهر لها من أثر في الأدب العربي » « 1 » . في هذه الرسالة جهد أبداه صاحبه في جمع الشواهد على تأثر العرب بألوان الحياة الفارسية ، وخصوصا من المصادر العربية . أن محمّد محمّدي قد مسّ الأسلوب الفهلويّ والأسلوب العربي مسّا رفيقا جدا ( ص 45 ، 89 ) ثم قال ( ص 122 ) : « إن الكتب والرسائل الفارسية كانت تفرّغ في العصر الساساني في قالب فنّي وسبك صناعيّ مقرّر . وكان الكتّاب يعنون بذلك عناية بالغة ، وكان يظهر فيها الميل إلى الصنائع البلاغية والمحاسن اللفظية بحيث كانت تعدّ من القطع الأدبية وتتجلّى فيها الظرافة والجمال » . ويشير محمّد محمّدي ، في أثناء ذلك ، إلى كتاب كريستنسن « 2 » « إيران في عهد الساسانيين » . غير أن المصادر الفهلوية الباقية لنا ، على ما ذكره كريستسن ( ص 37 - 60 ) ، لا تفي بشيء من الموازنة التي نحن بسبيلها . فإلى أن يقوم عالم بالأدب الفهلوي والأدب العربي ثم يجد نصوصا فهلوية صالحة لمثل هذه الموازنة يظلّ عبد الحميد الكاتب صاحب فنّ الترسّل الذي شهر به ، استخرجه من الأساليب العربية السابقة على زمانه مع الإيغال في الصناعة المعنوية ثم الصناعة اللفظية خاصّة . وكان لعبد الحميد الكاتب شيء يسير من الشعر ، قال الجاحظ « 3 » : « وكان

--> ( 1 ) رسالة غير مطبوعة في مكتبة الجامعة الأميركية في بيروت ، رقمها 37 . ( 2 ) إيران في عهد الساسانيين ، ألفه بالفرنسية أرثر كريستنسن ، ترجمه يحيى الخشاب وراجعه عبد الوهاب عزام ( نشرت هذا الكتاب وزارة التربية والتعليم - الإدارة العامة ، قسم الترجمة ) ، القاهرة ( مطبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر ) 1957 م : L'Iran sous les Sassanides , par Arthur Cbristensen , 2 eme ed . Copenhague ( Munkesgaard ) 1944 . ( 3 ) البيان والتبيين 1 : 208 .