عمر فروخ

69

تاريخ الأدب العربي

مكة أنفسهم شيء من الأمر . ولكن في منتصف القرن الخامس للميلاد كان بنو قريش - من أهل مكة ومن عرب الشمال - قد قووا ، فاستطاع سيدهم قصيّ أن ينتزع الحكم على مكة من خزاعة بعد قتال كان سجالا بين الفريقين مدة طويلة . وجمع قصيّ الحجابة ( الاشراف على الكعبة ) والسقاية ( إسقاء الحجيج في المواسم ) والرفادة ( اطعام الناس في الموسم ) . وكذلك كان قصي قد فرض على القادرين من قومه مقادير من الميرة ليصنع منها طعاما للحجيج في الموسم . وضم قصيّ اليه اللواء ( القيادة في الحرب ) أيضا . ثم بنى قصيّ بيتا سكنه وسمّاه دار الندوة ، وأوجب على قريش ألا يقطعوا في أمر عام ( كالحرب ) أو خاص ( كالتزويج ) إلا في دار الندوة . « فحاز قصيّ شرف مكة كلّه » « 1 » . وكان لقصيّ أربعة أبناء : عبد الدار وعبد مناف وعبد العزّى وعبد ، فأورث كل ما كان في يده لعبد الدار . غير أن أبناء عبد مناف نازعوا أبناء عبد الدار في ذلك فانقسمت قريش وكادت أن تقع الحرب بين المختلفين . ثم عقدت قريش حلفا ( تسوية ) عرف باسم حلف المطيّبين « 2 » : أعطي فيه بنو عبد مناف السقاية والرفادة ، وبقيت الحجابة والندوة واللواء في بني عبد الدار . وانتقلت السقاية والرفادة بالإرث إلى هاشم بن عبد مناف ، ثم إلى أخيه المطلّب بعدئذ ، ثم عادت إلى عبد المطلّب بن هاشم . في ذلك الحين كان اللواء في عهدة أمية بن عبد شمس بن عبد مناف . الغزو الحبشيّ كان عرب اليمن حضرا أرقى مدنية من عرب الشمال الذين كانوا في مجموعهم بدوا . ولذلك كان النفوذ اليمني غالبا على عرب الشمال : كان الغساسنة في الشام من اليمن ، وكان المناذرة في العراق من اليمن . وكذلك كانت كندة التي حكمت في نجد نحو جيلين ( 480 - 530 م ) أسرة يمانية . ولم يكتف اليمنيون من عرب الشمال بذلك ، بل كانوا ينصبون على قبائل شمالية كثيرة عمّالا لهم من وجهاء عرب الشمال يجمعون لهم الاتاوات من قبائلهم .

--> ( 1 ) السيرة لابن هشام 80 . ( 2 ) ذلك لأن الاحلاف غمسوا أيديهم في الطيب على ألا ينكلوا ، جريا على عادة جاهلية .