عمر فروخ

656

تاريخ الأدب العربي

وأوقدت الشّعرى مع الليل نارها * وأمست محولا جلدها يتوسّف « 1 » وأصبح موضوع الصّقيع كأنّه * على سروات النيب قطن مندّف « 2 » ، وقاتل كلب الحيّ عن نار أهله * ليربض فيها والصّلى متكنّف « 3 » ، وجدت الثّرى فينا - إذا يبس الثّرى - * ومن هو يرجو فضله المتضيّف « 4 » : نرى جارنا فينا يجيز ، وإن جنى * فلا هو ممّا ينطف الجار ينطف « 5 » . وقد علم الجيران أن قدورنا * ضوامن للأرزاق والريح زفزف « 6 » نعجّل للضّيفان ، في المحل ، بالقرى * قدورا بمعبوط تمدّ وتغرف « 7 » ترى حولهن المعتفين كأنّهم * على صنم في الجاهلية عكّف « 8 » قعودا ، وخلف القاعدين سطورهم * جنوح وأيديهم جموس ونطّف « 9 » . وما حلّ ، من جهل ، حبى حلماءنا ، * ولا قائل بالعرف فينا يعنّف « 10 » .

--> ( 1 ) الشعرى الشامية : نجم يظهر في الشتاء أول الليل على الأفق الشرقي ثم يبلغ في منتصف الليل كبد السماء . أوقدت نارها : أصبحت في ذروة ظهور نورها ( في منتصف الليل حينما يبلغ البرد أشده ) . وأمست ( الأرض ) قاحلة يطير التراب عن وجهها لشدة القحط . ( 2 ) - الثلج على ظهور الإبل كالقطن المندوف . ( 3 ) - وقاتل الكلب أهله ليبعدهم عن النار ويبرك هو مكانهم ، بينما كان الناس يتكنفون النار ( يحيطون بها من كل جانب ) . ( 4 ) ( في مثل هذه الحال من القحط ) تجد الثرى ( الخير الكثير والكرم ) إذا يبس الثرى ( وجه الأرض بالقحط ) ووجدت فينا الرجل المضياف الكريم الذي يثق الناس بكرمه . ( 5 ) ثم ترى جارنا ضيفنا يجيز : يحمي ( الناس الذين يلجئون اليه اعتمادا على قوتنا وعزنا وكرمنا ) . ثم يكون عندنا آمنا ولا يهلك ( بالجوع أو باعتداء الآخرين عليه ، كما يتفق لجيران غيرنا ) . ( 6 ) زفزف : شديدة الهبوب باردة . ( 7 ) المحل : القحط . القرى : الضيافة . المعبوط : اللحم الطري الذي ذبحت إبله أو غنمه حديثا . تمد ( تملأ باستمرار كلما نقصت ) وتغرف ( يغرف منها ، يسكب منها للناس ) . ( 8 ) المعتفون : طالبو المعروف ، المحتاجون . عكف : يقفون حول شيء ما في دائرة ( مع المواظبة والخشوع ) . ( 9 ) . . . تجد قسما منهم قعودا ، وقسما كبيرا آخر وقوفا ، بعضهم قد أكل وشبع فكان السمن قد جمس ( جمد ) على كفه ، وآخرون لا يزالون يأكلون ولا تزال أيديهم تنطف ( تقطر ، تسيل ) بالسمن . ( 10 ) الحبوة ( بفتح الحاء ) : شملة يربطها سيد القوم من ظهره إلى ركبتيه ويجلس وقورا يحكم بين الناس . يقول الفرزدق ( حسب قراءة النقائض 564 : حل بضم الحاء ) : لا يبلغ الجهل من سادتنا أن يحل أحدهم حبوته ( أي إلى أن يغضب ) . وأود أنا أن - أقرأ : حل ( بفتح الحاء ) : لا يغضب سادتنا مهما خاطبهم الناس بجهل وافتراء . ( من جهل : من حرف جر زائد ، جهل مجرور لفظا مرفوع محلا على أنه فاعل « حل » ) . ولا يعنف : لا يلام ( لا يخطئ ) أحد منا مع أنه يقول بالعرف ( بالحكم الشخصي مع غير رجوع إلى قانون موضوع - أقوالنا قوانين وقواعد للسلوك ) .