عمر فروخ
61
تاريخ الأدب العربي
قد اتصل بإحدى أصحاب الرايات ( بامرأة بغيّ ) في الجاهلية ، وكان اسمها سميّة ، وأنها حملت منه بزياد المعروف بزياد بن أبيه . ثم إن معاوية استلحق زيادا بنسبه على أنه أخوه شرعا . وإذا نحن تأمّلنا الغزل في الجاهلية وجدناه أيضا يسلك هذا المسلك : المحافظة على النسل صريحا معروفا : لم تكن البيئة الجاهلية تجيز التغزل بالعذارى ، حتى أنهم حرّموا على الفتى أن يتزوج فتاة تغزّل بها فشهرها . وأكثر الغزل الجاهلي في المتزوجات ، فقول امرئ القيس : « فمثلك حبلى قد طرقت ومرضعا » ، وقصة المنخّل اليشكري مع المتجردة امرأة النعمان ، وقول الأعشى : « وقد أخالس رب البيت غفلته . . . » كلها مصداق لذلك . ولا ريب في أن الجاهلي كان يتغزل بالعذارى ، ولكنه كان أجرأ على المتزوجات . الحياة الروحية البدوي موحّد ، ولكنه قليل الاحتفال بالعبادات وبالدين كله إذا كان آمنا على نفسه ( يخاف اللّه في ساعات الضيق والفزع ، فإذا انكشفت غمته عاد إلى الجحود ) . والأوثان كانت طارئة على بلاد العرب . ثم لما وقع الاضطهاد على اليهود والنصارى ، لجأت جوال منهم إلى بعض أقسام شبه الجزيرة ثم زالوا منها مع ظهور الاسلام . وكان في الجاهلية أفراد متحنّفون كثر عددهم قبيل ظهور الاسلام ، ولكن لم يبلغوا إلى أن يكونوا جماعات . هؤلاء المتحنّفون أو الحنفاء كانوا يبنون أعمالهم الخاصة والعامة على الاخلاق الكريمة وما يقضي به العقل العملي في الحياة . وكانوا لا يشركون قومهم في حياتهم الجاهلية . ان هؤلاء كانوا قد حرّموا على أنفسهم الخمر وهجروا الأوثان ( على قلتها في بلاد العرب ) وتركوا الثأر والغزو . ويبدو أنهم اعتقدوا باللّه وحده وبحياة بعد الموت . وكان هؤلاء أيضا قد سلكوا سبيلا من سبل الزهد ، ولكن لم يكن لهم عبادات معينة يقومون بها . أما الصورة الصحيحة لهؤلاء الحنفاء فيجب أن نطلبها في القرآن الكريم . لقد جاءت كلمة حنيف في الإفراد وكلمة حنفاء في الجمع اثنتي عشرة مرة في