عمر فروخ
44
تاريخ الأدب العربي
ألفاظه طبقا على معانيه أو أوفى ( أكثر من معانيه ) . فان المعاني إذا كانت كثيرة كانت حشوا فاشتغل الذهن بالغوص عليها ( للاتيان بها ) فضاع على الذوق فرصة إيفاء حق الشعر من البلاغة . ولا يكون الشعر سهلا إلّا إذا كانت معانيه ( لقلتها ووضوحها ) تسابق ألفاظه إلى الذهن . ولهذا كان شيوخنا « 1 » رحمهم اللّه يعيبون شعر أبي بكر بن خفاجة شاعر الأندلس لكثرة معانيه وازدحامها في البيت الواحد ، كما كانوا يعيبون شعر المتنبي والمعرّي بعدم النسج على الأساليب العربية . . . ( فقد ) كان الكثير ممن لقيناه من شيوخنا في هذه الصناعة الأدبية يرون أن نظم المتنبي والمعرّي ليس من الشعر في شيء لأنهما لم يجريا على أساليب العرب « 2 » . ولا ريب في أن الأدب هو الأدب الجيّد وحده ، وكل ما سواه فليس بأدب . فالأدب إذن هو المعنى المبتكر في اللفظ الفصيح والتعبير المتين والأسلوب البارع والخيال الواسع . وهكذا لا نعدّ الكلام المتداول في أحاديثنا اليومية المألوفة ولا الكلام الدائر في الرسائل العادية من إخوانية وتجارية ولا الكلام المستعمل في الصحف اليومية والكتب العلمية أدبا ، إلّا أن يتأنّق المتكلم أو الكاتب فيه فيدخل ذلك الكلام حينئذ في نطاق الأدب على مقدار ما فيه من البراعة والتأنق . الأدب نثر ونظم . . . والكلام الجيّد نوعان : نثر وشعر . أما النثر فهو الكلام الذي يجري على السليقة من غير التزام وزن . وقد يدخل السجع والموازنة والتكلّف الكلام ثم يبقى نثرا ، إذا بقي مجردا من الوزن . وأما النظم فهو الكلام الموزون المقفّى . فإذا امتاز النظم بجودة المعاني وتخيّر الألفاظ ودقة التعبير ومتانة السبك وحسن الخيال مع التأثير في النفس فهو الشعر . وقد تكون هذه الخصائص في الكلام من غير أن يكون موزونا ونظل نسميه شعرا ، لأن الشعر في حقيقته ما خلب العقل واستولى على العاطفة واستهوى النفس . من أجل ذلك قال عرب
--> ( 1 ) أساتذتنا . ( 2 ) مقدمة ابن خلدون 575 ثم 573 .