عمر فروخ
373
تاريخ الأدب العربي
على أن بعض الشعر الشيعي خرج إلى القول بشيء مما كان يعتقده الشيعة الغلاة من الرجعة « 1 » وأمثالها مما سنراه مثلا في شعر الكميت بن زيد الأسدي . الخطابة الخطابة في العصر الأمويّ كانت استمرارا للخطابة في صدر الاسلام الأوّل ، ولكن زادت فيها أمور : من ذلك أن الخطبة طالت ، ذلك لأن الخطبة كانت لتبليغ أوامر الدولة ، فلمّا كثرت تلك الأوامر باتّساع رقعة الإمبراطورية وبتطوّر الحياة الإدارية والسياسة احتاج الخطباء إلى بسط القول في ذلك . ومن هنا جاء طول الخطبة في الدرجة الأولى . ثم عرف صدر العصر الأمويّ ثورات وحروبا واحتاج الولاة والقوّاد إلى تصريف القول بالإقناع وبالوعيد عند مخاطبة الجموع ، فاقتضى ذلك أيضا أن تكون الخطبة أطول مما كانت في الجاهلية أو في صدر الاسلام الأوّل . وفي العصر الأمويّ تطوّرت البيئة الاسلامية ونشأت طبقات جديدة في المجتمع كطبقة المولّدين « 2 » ، ولم يكن من المنتظر أن يفهم المولّدون الإيجاز العربي لمحا كما كان يفهمه العرب الأقحاح الأوّلون من البدو خاصة . فاحتاج الخطيب من أجل ذلك إلى أن يردّد المعنى الواحد في تراكيب متشابهة متقاربة ، فزاد ذلك أيضا في طول الخطبة . وكذلك لمّا ترامت حدود الإمبراطورية باتّساع الفتوح لم يبق من الممكن أن ترسل الأوامر إلى الولاة تباعا في أوقات متقاربة ، فكانت تلك الأوامر تجمّع حتّى يتألّف منها مقدار واف ثم ترسل في بريد واحد .
--> ( 1 ) الشيعة اسم جامع للذين اتبعوا علي بن أبي طالب وفرعوا الآراء السياسية والدينية على حسب ذلك . غير أن الآراء المتطرفة جاءت من فرق من غلاة الشيعة كالكيسانية مثلا ممن لا وجود لهم اليوم . أما الجماعة المعروفة عندنا اليوم باسم « الشيعة » فهم الشيعة الإمامية أو الاثنا عشرية أو الجعفرية ، وهم أهل مذهب اسلامي كالمذهب الشافعي والمذهب الحنفي من مذاهب أهل السنة . وليس بين المذهب الجعفري وبين المذهب الحنفي من الخلاف في الفقه أكثر مما بين المذهب الشافعي والمذهب الحنفي . على أن الفارق النظري الباقي إلى اليوم بين السنة والشيعة هو اعتقاد الشيعة أن الامام عليا كان أحق من جميع الذين تقدموه في الخلافة وأنه كان يجب أن يتولى الخلافة قبلهم ؛ ثم إن الاعتقاد بذلك جزء لا ينفصل من المذهب . ( 2 ) المولد ( بضم الميم وفتح الواو وفتح اللام المشددة ) هنا هو الذي يولد من أبوين أحدهما عربي والآخر غير عربي .