عمر فروخ

364

تاريخ الأدب العربي

خصومهم . ومع أن الأمويين قد انتصروا في هذا النزاع انتصارا حاسما بيّنا ، ومع أنّ الأحزاب السياسية الأخرى قد فقدت قوتها الفعّالة ، فان تلك القوة قد تمثّلت في الشعور القبلي الذي بعث من جديد . ان القيسيين ( أنصار عبد اللّه بن الزبير ) قد وقفوا موقف المناوئ لليمانيين ( أنصار بني أميّة ) في القلاقل المحلية التي امتلأ بها العراق والشام ، ثم في تعيين الولاة والعمّال على الأمصار ، ثم في الشعر . إلّا أن شعراء النقائض لم ينسوا - في غمرة نزاعهم القبليّ المحلي - أن يشيدوا بعظمة العرب القومية وان يشيروا إلى اتّساع الفتوح الاسلامية ، وخصوصا في المشرق : في فارس والهند والصين . والشعراء الذين دخلوا في هذا النزاع لم يدخلوه وهم يحملون عقيدة أموية أو زبيرية أو علويّة ، وإنما دخلوه للتكسّب في الدرجة الأولى . حتى إن الشعراء الزبيريين انقلبوا بعد ذلك أمويين . وكذلك لم يتحوّب الفرزدق - وكان يمثّل العلويين - من أن يعرّض بآل البيت ويمدح بني أمية . وكذلك الأخطل النصراني مدح الخلفاء مدائح إسلامية الطابع تناقض عقيدته الدينية . على أن نفرا قليلين من الشعراء لم يفعلوا ذلك ، فقد ظل الكميت العلوي على وفائه لآل البيت ولكنّه مدح الأمويّين تكسّبا لمّا اضطرّ إلى التكسّب منهم . وأمّا عمر بن أبي ربيعة فانّه لم يمدح أحدا ولا قال في المناقضات قط . 2 - الوجه الاجتماعي : إن مجموع الشعر الأمويّ يدلنا على أن البداوة ظلّت غالبة على المجتمع الأموي . ان الشعر الأمويّ مملوء بالمفاخر الجاهلية والبدوية كالفخر بالأنساب وبأيام العرب ( معاركهم الجاهلية ) وبالكلام على الثأر . وظل شعراء المناقضات حتى أواخر العصر الأمويّ يعدّون الحياة الحضرية في باب المعائب القومية ، فالأخطل قد هجا الأنصار لأنهم زرّاعون ، وجرير ظلّ إلى آخر حياته يهجو بني مجاشع لأنهم قيون ( حدادون ) ، ذلك لأنّ القيانة ( الحدادة ) وسائر الصناعات إنما كان يقوم بها العبيد « 1 » . ولكنّ الشعر الأموي امتلأ أيضا بالألفاظ الاسلامية والآراء الاسلامية ، حتى

--> ( 1 ) راجع تاج العروس 9 : 316 ، السطر 19 .