عمر فروخ
354
تاريخ الأدب العربي
الحضارة والترف واتّسعت الحضارة العربية في أيام الأمويين ، إذ بنى الأمويون المدن والمساجد والقصور : بنى الحجّاج مدينة واسط بين الكوفة والبصرة ، وبنى سليمان بن عبد الملك اللدّ في فلسطين ، وبنى أخوه هشام الرصافة قرب تدمر . كما أن نفرا من خلفاء بني أميّة بنوا في بادية الشام قصورا للاستجمام وللإشتاء والاصطياف . وتدفّقت الأموال من جميع أنحاء الإمبراطورية إلى الشام ودمشق خاصّة فكثر الترف وخصوصا بين أمراء البيت المالك ورجال الدولة . ثم عمّ الرخاء سائر البلاد ، ذكروا أن الرجل كان يحمل زكاته على يده في أيام عمر ابن عبد العزيز ( 99 - 101 ه ) ويطوف بها في أرجاء الإمبراطورية فلا يجد مستحقا يدفعها اليه . إنّ أوجه تلك الحضارة وذلك الترف في الحياة الجديدة التي طرأت على البيئة الاسلامية قد بدّلت كثيرا من حياة العرب والمسلمين : لقد تبدّت هذه الأوجه أعظم ما تبدّت في الحجاز . كان الحجاز قطرا فقيرا غير ذي زرع ، فلمّا جاء الإسلام وأصبح الحجاز مركزا لدولة وإمبراطورية كثرت الأموال الواردة اليه من حقّه في الجباية . غير أن تلك الأموال لم تكن كثيرة كثرة تخرج به إلى الترف . فلمّا انتشر الإسلام ثم قامت الدولة الأموية في خارج الحجاز حدث أمران جديدان : جعلت الأقطار والجماعات تخصّ الحجاز بصدقات كثيرة تبرّعا من عند أنفسها وتقرّبا إلى اللّه بأن تهب أهل البلد الذي ظهر فيه الاسلام - وأهل مكّة والمدينة على الأخصّ - قسما من أموالها ؛ وكذلك فعل أفراد كثيرون . ثم إن الدولة الأموية رأت في باب السياسة أن تصرف أهل الحجاز عن الإصرار على حقّهم في الخلافة والملك بالإحسان إليهم وبأن تشغلهم بالتمتّع بالدنيا عن طلب الملك الذي يطلبه الطالبون في العادة حبّا بالتمتّع بالدنيا فأغدقت عليهم الأموال . وكثرت الأموال في الحجاز وخرج أهل الحجاز إلى الترف فعمّ التأنّق في المطعم والملبس والمسكن . ثم بنيت الدّور والقصور وأنشئت البساتين وقامت مجالس اللهو ومواسمه ، تلك المجالس والمواسم التي توفّر الناس فيها في أول الأمر على اللهو البريء من الاجتماع والتنزّه والغناء أو من الصيد والسباق ( بين