عمر فروخ
333
تاريخ الأدب العربي
واللّه ، ما معشر لاموا امرأ جنبا * في آل لأي بن شمّاس بأكياس « 1 » . ما كان ذنب بغيض ، لا أبا لكم ، * في بائس جاء يحدو آخر الناس ؟ لمّا بدا لي منكم عيب أنفسكم ، * ولم يكن لجراحي منكم آس « 2 » ، أزمعت يأسا مبينا من نوالكم ؛ * ولن يرى طاردا للحرّ كالياس « 3 » . جار لقوم أطالوا هون منزله * وغادروه مقيما بين أرماس « 4 » . ملّوا قراه ، وهرّته كلابهم ، * وجرّحوه بأنياب وأضراس . دع المكارم لا ترحل لبغيتها * واقعد فإنّك أنت الطاعم الكاسي « 5 » . من يفعل الخير لا يعدم جوازيه ، * لا يذهب العرف بين اللّه والناس « 6 » . فشكاه الزبرقان إلى عمر بن الخطاب ، وكان عمر أعلم الناس بالشعر « 7 » ، ولكنه أراد أن تقوم الحجّة على الحطيئة من شاعر مثله « 8 » فاستدعى حسان بن ثابت وقال له : ما تقول ، أهجاه ؟ فقال حسان ذرق عليه ! ( كناية عن شدة هذا الهجاء وقبحه بالإضافة إلى المثل العليا الجاهلية ) . فألقى عمر عند ذلك الحطيئة في السجن . فقال الحطيئة يستشفع عمر ويذكر له ان حبسه قد حال بينه وبين الاهتمام بأولاده : ما ذا تقول لأفراخ بذي مرخ * حمر الحواصل لا ماء ولا شجر « 9 » . ألقيت كاسبهم في قعر مظلمة ، * فارحم - عليك سلام اللّه - يا عمر ! فخلّى عمر سبيل الحطيئة وأخذ عليه ألّا يهجو أحدا من المسلمين ثم أعطاه ثلاثة آلاف درهم يستغني بها عن الهجاء .
--> ( 1 ) أكياس جمع كيس ( وليست في القاموس ) : عاقل ، ذكي . ( 2 ) آسي : طبيب . ( 3 ) - عزمت على أن أفارقكم مرة واحدة ( ليأسي من عطائكم ) . الياس : اليأس . ( 4 ) الأرماس جمع رمس : قبر . بين ارماس : مهدد بالموت . ( 5 ) الطاعم الكاسي : الذي يطعمه الناس ويكسونه . ( 6 ) الجوازي جمع جازية : من يثيب على عمل الخير . العرف : عمل الخير . ( 7 ) البيان والتبيين 1 : 239 . ( 8 ) مثله 1 : 240 . ( 9 ) ذو مرخ : واد بالحجاز . حمر الحواصل : صغار الطير قبل أن يثبت الريش على نحورها ( كناية عن أولاد الحطيئة ) .